حوار الخيمة العربية

حوار الخيمة العربية (http://hewar.khayma.com:1/index.php)
-   الخيمة الفـكـــريـة (http://hewar.khayma.com:1/forumdisplay.php?f=68)
-   -   الإسلام والمواطنة : الفكرة والتمثلات والتحديات (http://hewar.khayma.com:1/showthread.php?t=84122)

عصام الدين 02-09-2010 01:26 PM

الإسلام والمواطنة : الفكرة والتمثلات والتحديات
 
إن كلمة المواطنة هي صيغة صرفية أمكنت منها اللغة العربية لتدل بها على معنى المشاركة في الانتساب للوطن وفي أداء حقوق ذلك الانتساب. وصيغة المفاعلة في الوضع اللغوي تدل غالبا على مشاركة فردين أو أفراد في أداء الفعل مثلما تدل عليه مصادر المجادلة والمناقشة والمعاشرة والمصافحة.

وكلمة المواطنة من هذا القبيل، وهي تفيد وجود ثلاثة مكونات هي الوطن, وسكان الوطن، وممارسة الاشتراك الشعوري والفعلي في الانتساب إلى الوطن وفي القيام بحقوقه وبمتطلبات حمايته والنهوض به.

والمواطنة هي بالأساس قيمة راقية من قيم التعايش تقوم على الإحساس بمسؤوليات وتبعات الوجود في الوطن، وهو شيء يتجاوز معنى مجرد الإقامة والسكن فيه.

والوطن في الاستعمال الإسلامي هو مكان الوجود والانتماء، وهو قد يتسع بحيث يستوعب الشعب أو الأمة، وقد يضيق بالقدر الذي لا يساوي إلا موضع إقامة العشيرة الواحدة, وقد قالت امرأة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تدافع عن أرض قومها إنها وطني وداري. والحديث وارد في سنن أبي داوود في كتاب الخراج والإمارة.

وفي الاستعمالين القرآني والحديثي يرد ذكر كلمة المَوْطن وهو لفظ يعبر عن عموم المكان الذي يستقر فيه الإنسان أو تحدث فيه الوقائع، ومن ذلك قوله تعالى: " ولقد نصركم الله في مواطن كثيرة...." [ التوبة 25] ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مامن امرئ يخذل امرأ مسلما عند موطن تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله عز وجل في موطن يحب فيه نصرته، وأي امرئ ينصر امرأ مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته".

وقد يعبر عن الوطن بالدار وبالبلد، ويعبر عن المشارك فيها بالبلدي فيقال هو بلديه مثلما يقال هو مواطنه، كما يقال لمن يشارك المرء في زمن الميلاد ولدته.

والموطن أيضا هو المَباءة وهي المكان الذي يرتبط به الإنسان شعوريا ويبوء إليه. أما عن المواطنين الذين يشتركون في الانتساب إلى الوطن فقد دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم أهله في أول خطاب وجهه إلى أهل مكة وهم مخالفون له في الدين لما قال: " إن الرائد لا يكذب أهله و لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم".

و لقد كان حب الوطن راسخا ومتجذرا في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي شعوره.

فحينما اضطر إلى مغادرة مكة مهاجرا بعد أن تآمر قومه على حياته التفت إليها مودعا بعد أن صارت خلفه وقال: "ما أطيبك من بلد وما أحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك" . الحديث أخرجه الترمذي في كتاب المناقب.

ولما استقر عليه السلام مع أصحابه بالمدينة أصابهم من ألم الفراق شيء غير يسير, فلما رأى عليه السلام ذلك دعا للمهاجرين وقال: "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد" . [الحديث أخرجه البخاري في كتاب فضائل المدينة] وهذا دعاء يشير إلى أن قلوب المهاجرين كانت مفعمة بحب كبير للوطن.

ولقد ظل حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لمراتع صباه قويا متوهجا في نفسه فلما عاد إلى مكة بعد الفتح كان يدل أصحابه على مواضع شهدت وقائع في صباه فكان يشير إلى أحد المياه ويقول هنا تعلمت السباحة، وأشار إلى أطم وذكر أنه كان في صباه يطير طائرا كان عليه.

وبعد تجاوز هذا المدخل اللغوي الذي يقتضيه التعريف، فإن صلة الإسلام بالمواطنة يجب أن تطلب في مقاصد الإسلام الكلية وفي تصوره لطبيعة العلاقة المجتمعية، كما يتعين أن تطلب في نصوص الإسلام وأحكامه الجزئية المتعلقة بحركة الفرد ضمن المجتمع.

ومما تجب الإشارة إليه أن سعي الإسلام إلى إشاعة ثقافة المواطنة ينسجم تماما مع أسلوبه الخاص في تثبيت كل القيم وفي توجيه السلوك، وهو أسلوب يقوم على جعل ما يرشد إليه ممتزجا بالعبادة لتكون استجابة الفرد طاعة لله، وليكون إهمال المطلوب معصية لله، وهذا يعطي أحكام المواطنة إلزامية أقوى مما لو جردت عن معنى العبادة، وهذا ما يتميز به الإسلام في توجيهه للمجتمعات.


عصام الدين 02-09-2010 01:37 PM



وأخيرا كيف انتهى الأمر ببعض المواطنين إلى أن يرتبطوا بأطروحات أجنبية جائرة تعمل على هدم الوطن وعلى تجزئته وتفكيكه واستقطاع كيان مصطنع من أرضه ومجاله، منفذة لمقولة يقطع الشجرة فرع منها، ومغرية بصنع زعامات فارغة تستمد مشروعها وبرنامج عملها ومواردها ومصادر تغذيتها من أعداء الوطن ؟.

وإن من المؤسف حقا أن يضعف الإحساس بروح المواطنة في بعض المواطنين ويتبدى ذلك الضعف في طريقة أداء الموظف لواجبه إزاء المواطنين، وفي ممارسة السرقات والاختلاسات المجحفة بحق المواطنين وفي المتاجرة بصحة الناس وفي تعمد تدمير البيئة وفي تزييف الوعي وفي تحريف الدين وفي هدم الأخلاق، وفي تفكيك الأسر، وفي الإساءة إلى سمعة الوطن، وفي اللامبالاة في التعامل مع قضايا الوطن، وفي تدمير مكاسب الوطن ومنجزاته، وفي تحطيم المرفق العام .

والذي أراه أن هذا الوضع من اللامواطنة قد تظافرت في صنعه وإنتاجه عوامل وأسباب ثقافية وتربوية واجتماعية متعددة انتهت به إلى هذه الدرجة من التردي.
وهي عوامل ستستمر آثارها حاضرة ما لم يتم تحديدها والتعرف عليها واقتلاعها وصياغة وعي وطني بديل يؤسس لمستقبل جديد.
وهذه العوامل متعددة تكفي الإشارة إلى بعضها في هذا الحيز.
ومن أهم تلك الأسباب والعوامل سبب ثقافي يكمن في تحييد الدين عن الإسهام في صياغة قيم السلوك الاجتماعي، كما يكمن في الإلحاح على الإبقاء على الدين بمنأى عن الحياة في مربع الاكتفاء بالتوجيه الروحي وبالإرشاد إلى كيفية أداء العبادة بمعناها التعبدي الضيق.

وقد أصبح اعتناق هذا الرؤية الناشئة عن الجهل بحقيقة الإسلام وعن إلحاح الفكرالذي يسعى جاهدا إلى فصل الدين عن كل شرايين الحياة سببا مباشرا في إبعاد القيم الدينية وإقصائها عن نشر ثقافة المواطنة وعن دعم وجودها ومنحها إلزامية التدين. وقد كان بالإمكان الوصول بالإنسان إلى مستوى أرقى من الإحساس بضرورة المشاركة لو أن قيم الإسلام قربت إلى الناس وشخصت في صورة قيم للمواطنة فعرف المواطن أن عزوفه عن المشاركة في الانتخابات مثلا هو تقصير في القيام بواجبه الشرعي في أداء الشهادة التي يلزم بها قول الله تعالى: " ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه" [ البقرة 283 ]. فمن ثم يشارك المسلم وجوبا في أداء هذه الشهادة، فيشهد بما يعرف ولا يتخذ سلبيته دليلا على سموه هو وعلى هبوط الآخرين.

ولو أن معطى الدين وظف مثلا في الإقناع بأن المواطن قد أعطى عهدا موثقا باحترام قانون السير حينما طلب رخصة السياقة وأجاب عن الأسئلة التي وجهت إليه من أجل الحصول عليها، فكان بذلك مكلفا بالوفاء بالعهد على احترام قانون السير بموجب قول الله تعالى : " وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا" [ الإسراء 34]. وحينذاك تسير عملية مكافحة حوادث السير مسارا آخر.

ومن الأسباب المؤدية إلى فشو ثقافة السلبية وإلى الانسحاب وجود ثقافة رسختها منذ زمن طويل عدة مقولات كان السلبيون يضخونها في المناخ الثقافي وقد عبرت تلك الثقافة عن نفسها بأقوال ناصحة من مثل قولهم: " سبََّق الميم ترتاح" " ما شفتش وما نعرفش" وقولهم : " سد فمك الكوشة يدخلها النار من فمها" " ادخل سوق راسك" " كل شاة تتعلق من كراعها" وتوجد في منظومة المأثورات الشعبية ترسانة قوية من مثل هذه النصائح الداعية إلى السلبية وإلى الانسحاب والهروب من المجتمع.

وقد كانت هذه المقولات التي نشأت وانتشرت في زمن التراجع الحضاري والتخلف الفكري والجهل بحقيقة الدين نقيضا ثقافيا لما عرفته الأمة من تضامن قوي أفرز مجموعة من العادات والتقاليد في التآزر والتواصل.

وإلى جانب هذه الثقافة الشعبية المتخاذلة ثقافة أخرى حديثة ليست أقل سلبية من سابقتها، وهي ثقافة اتجهت إلى تركيز الفردانية وإلى الاستعلاء على المجتمع وإلى احتقار ثقافته وقيمه ومفاهيمه وإلى مخاصمة تاريخه، فخرجت عليه بمفاجآت وسلوكات صادمة من شأنها أن تحدث القطيعة بين الأجيال وتحدث فجوة تعوق انتشار ثقافة المواطنة.

عصام الدين 02-09-2010 01:44 PM



ومن الأسباب التي أفضت إلى توهين صلة المواطن بوطنه ما خلفته البرامجالتعليمية والتربوية من فراغ معرفي ومن جهل فظيع بتاريخ الوطن, وما تعرض لهمن أطماع ومن محاولات للاستحواذ عليه، وما بذله أهل هذا الوطن من تضحياتجسيمة في الدفاع عنه ، وما أنجزه أهله من منجزات حضارية وعلمية وما له منخصوصيات علمية وحضارية ومالهمن إمكانات وموارد طبيعية، وما يتمتع بهمواطنوه من حس جمالي ومن ذوق فني رفيع تجلى في مهاراتهم الفنية وفيمنجزاتهم في البناء وفي التخريم وفي النقش والطبخ واللباس والفراش وفيالأدب والفنون الجميلة.

ومن شأن المعرفة بهذه الجوانب أن توثق الصلة الشعورية بين المواطن ووطنهبعد أن يعلم أن الانتساب إليه هو انتساب مشرف لأنه انتساب إلى الحضارة وإلىالعلم والفن والأدب.

ومن الأسباب القوية التي أوهنت صلة المواطن بوطنه تلك الممارسات الخاطئةالتي ركزت الإحساس بالهامشية والإقصاء وأقنعت المواطن بأن الحياة لا تتأتىفي الوطنإلا من خلال الاستظلال بأحد الاستقطابات السياسية أو الفئوية أوبالقبول بوضعية التبعية والاستلحاق لإحدى دوائر النفوذ الاقتصادي أوالاجتماعي، ومن ثم لا يكون للكفاءة والمقدرة وللإيجابية أي معنى ولا حظاللاستفادة من إمكانات الوطن.

ومن الأسباب الموهنة لصلة المواطن بوطنه إلحاح كثير من الجهود التعبيريةعلى إبراز كل سوءاتالمجتمع والحرص على ذكر تفاصيلها مع التغيب الكامل لكلالجوانب الإيجابية ولكل الإنجازات التي يحققها الوطن، فلا يتحدث الناس إلاعن مظاهر الرشوة والإخلال بالواجب والفساد الإداري والأخلاقي والتخلفالمجتمعي.

ويغفلون عن قصد أو عن غير قصد مقابلة الظاهرة بنقيضها فلا يذكرون أنه إنوجد في الوطن موظفون مرتشون، ففيه موظفون نزهاء يعانون الخصاصة، ويعانونأكثر من ذلك من عدم الاعتراف لهم بفضيلتهم وتضحيتهم، ولئن وجد في الوطنفساد أخلاقي ففيه أيضا من مظاهر الإيمان والتقوى والصلاح شيء كثير.

ولئن وجد في الوطن تخلف مادي فإنه توجد في مقابله إنجازات اقتصاديةوعمرانية عملاقة ومشاريع تنموية واعدة ، ومنجزات بنيوية وهيكلية بارزةوشبكات للتواصل جوية وبرية وموانئ ضخمة ومشاريع كثيرة أحدثت نقلة واضحةوجلية.

إننا لا ندعو إلى تزييف الحقائق ولا إلى تجميل التشوهات الاجتماعية ولا إلىبيع الوهم أو إلى إحراق البخور لتغطية الرائحة الكريهة، وإنما ندعو إلىالتزام التوازن والعدل في التشخيص، وإلى إبراز الصورة الواقعية للمجتمع بمافيه من إيجابيات وسلبيات.

إن الواقع الذي تعيشه بعض الدول الكبرى أنها تتوفر على مؤسسات متخصصة تعملعلى تحسين صورة تلك الدول وتجميلها في أعين الناس، وهو إجراء يدل على أهميةإبراز صورة جميلة للوطن حينما يريد الوطن أن يدخل في منافسة الاستثمار،وحين يريد أن يكون له عنوان جميل يرتب به في سلالم العلم والتقدموالارتقاء.

إن شأن الاقتصار على استعراض السلبيات أنه لا يمكن من الرؤية الصحيحةالمتوازنة من جهة، كما أنه يعمل في نهاية المطاف على تسريب روح اليأس ويعملعلى قتل الأمل في المستقبل من جهة أخرى، وكل هذه ظروف نفسية تشكل مناخاملائما لإنجاح مشاريع خصوم الوطن.

إنمشكلة الوطن أن من أهله نوعين من الناس، أناسا يرتبطون ارتباطا حنينيابالماضي، فإذا تحدثوا عنه تحدثوا بإعجاب كبير ومدحوا الماضي بإطلاق، لأنهمسلموا من شره كما يقال، وهم بالتأكيد لا يهتمون كثيرا بالتحولات الكبرىالتي طرأت على أوضاعهم المعيشية والسكنية والغذائية وغيرها. ولا تقع أعينهمعلى الإنجازات التي تتحقق يوميا لأنهم يعيشون خارج الحاضر.

وأمام هذه الشريحة البشرية شريحة لا تنظر إلى الخلف ولا تلوي عليه، وإنماتنظر إلى الأمام الأبعد وإلى أوضاع شعوب أخرى، لكنهم لا يهتمون بتقديرالشروط الموضوعية والتاريخيةالتي صنعت واقع تلك الشعوب، فهذه الشعوب قدطورت اقتصادها وصنعت نهضتها بعد أن استفادت من سواعد أبناء البلادالمستعمرة، وبعد أن استنزفت مواردها الطبيعية، وهي إلى الآن لا تكف عناستنزافها حينما تستقطب كفاءاتها العلمية والتقنية فتلحقها بآلتهاالاقتصادية بعد أن توهمها بأن وطنها لا يقدر كفاءاتها ولا يستطيعاستيعابها، فينشأ بسبب ذلك لدى هذه الفئة العالمة رؤية تستخف بالوطن، وتجنحإلى الانصهار في حياة الدول التي تجتذبها.

وبعد، فهذه مساهمة مختصرة أتاحت رؤية من زاوية دينية لقضية المواطنة وكشفتعن بعض الإمكانات المعنوية القوية التي يمكن أن يسعف بها الإسلام ويشاركبها في بناء ثقافة المواطنة وفي ترسيخها، وأنا أظن أن مجرد عقد مثل هذااللقاء الهادف الذي يحضره النسيج الجمعوي ويشارك بالنقاش فيه. يشكل خطوةمهمة في السير على طريق تأسيس ثقافة للمواطنة الإيجابية.





الدكتور مصطفى بن حمزة

ابن حوران 11-01-2011 02:57 PM

مقالة مهمة لفضيلة الشيخ مصطفى بن حمزة

أشكركم أخي عصام على الاختيار

عادل محمد سيد 22-01-2011 07:13 PM

http://www.ansarsunna.com/vb/images/smilies/salam.gif
مشكلة أصحاب المذاهب المعاصرة وغير المعاصرة مع الإسلام واحدة لا تتكرر ، فكلما ظهر مذهب جاء ظهر من ابناء هذه امة من يحاول وصم الدين بأنه من وإلى هذا المذهب : الشيوعيون ، الاشتراكيون ، العلمانيون ......... إلخ كلهم يزعم أن الإسلام قريب منه وأنه قريب من افسلام. وليس الإسلام بذاك. ولا يقر لأحدهم بأنه صواب ، والإسلام لا يقر إلا بما حواه.


Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.