ثانيا: طبيعة الإرهاب وحرب العصابات والتمرد
(1)
إذا كنا مستعدين، كما أثبتنا أن نكون، لتكريس موارد وفيرة ودماء غزيرة من أجل الحروب في العراق وأفغانستان والصومال، فعلينا أن نبذل الجهد لفهم طبيعة التمرد ومراحله. لا أعتقد أننا أبلينا في هذا الصدد، وهذا، في جزء منه، هو سبب أن كثيرا مما فعلناه، بصرف النظر عن مشروعية أعمالنا أو فضيلتها، غير ذي فعالية ليس إلا أو (غير منتج)، على حد تعبير واشنطن.
يوم كنت في الحكومة (يضيف الشاهد)، شعرت بقلق شديد بسبب أعمالنا وافتقارنا الى إدراك طبيعة الحرب في فيتنام. وسبق لي فرصة لأراقب الحروب في فلسطين واليونان مراقبة تجاوزت أحيانا حدود التعقل. ثم جرى بعد انضمامي الى مجلس تخطيط السياسة بوقت قصير تعييني رئيسا للحملة الحكومية الخاصة بالجزائر وكانت لي لاحقا نظرة متفحصة الى الحرب في اليمن. ولدى مقارنتهما بفيتنام، شرعت في عملية بحث قادتني الى درس دزينة من الحروب الأخرى ووضع الكتاب الذي بين أيديكم: (السياسة العنيفة: الإرهاب وحرب العصابات والتمرد من الثورة الأمريكية الى العراق).
خلصت من تلك التجارب والدراسات الى أن معظمها يدور حول التخلص من الحكم الأجنبي، وبعضها، مثل تمرد الحزب الشيوعي الهندي (Naxalite) في الهند، يتمحور بمقدار أكبر حول الاضطراب الاجتماعي، أو، كما في غزة الآن، حول مزيج من الشعور المعادي للأجنبي والثورة على الحرمان الاقتصادي، لكني سأضعها جانبا الآن كي أركز على حركات التمرد الأكثر (تقليدية) أو الشائعة على الأقل، فهي مدفوعة برغبة التخلص من الأجانب..
(2)
إذاً، كيف تبدأ حركات التمرد؟ إن لحركات التمرد كلها تقريبا أصولا متواضعة جدا، فالقاعدة هي أن يبدأ التمرد نصف دزينة، ثلاث أو أربع دزينات من المتمردين أو كما يسميهم الفرنسيون، (المناضلين في سبيل قضية Militants) ولذا، نظرا الى كونهم غير قادرين على تجييش قوات كبيرة ويتسلحون عادة بأسلحة خفيفة فقط، لا يملكون سوى بدء نشاطهم بأعمال إرهابية.
هدفهم الأول هو وضع أساس لمخاطبة الرأي العام ـ أي، لكسب شرعية سياسية، فيختارون أهدافا يحققون منها غايات:
أولا: يظهرون شجاعتهم ويفعلون ما يرغب كثيرون أن يفعلوه لكنهم لا يجرؤون. ثانيا: يثبتون أن في الإمكان القيام بعمل والبقاء على قيد الحياة. ثالثا: يحصلون على الأدوات اللازمة لمواصلة النضال. وهكذا يهاجم المتمردون الظالمين والشرطة والملاك الأجانب ومن يتعاون معهم، لغرض واضح هو الحصول على الأسلحة والمال وتأجيج المشاعر المساندة لهم. ويعتبرون الشرطة والجيش مخازن للأعتدة والأسلحة المطلوبة لهم.
ومن ثم، ومع تزايد أعدادهم واشتداد فعاليتهم يشرعون في محاولة تدمير الحكومة القائمة (العقبة أمامهم)، هذا حصل في فيتنام ويوغسلافيا أيام نضال تيتو ضد (ميخائيلوفيتش) وحصل في اليونان، ويحصل اليوم بوضوح في العراق.
بعد ذلك، يبدأ المتمردون المنتصرون بالحلول محل الحكومة القديمة، فيشرعون بجباية الضرائب وفتح المدارس وإدارة العيادات، وصنع الأسلحة أو إصلاحها. وقد قام تيتو حتى بإدارة خدمة بريد على سكة الحديد الخاصة به. وصنع تيتو سجائر وبنادق كان مدموغا عليها ختم جبهة التحرير.
أخيرا، ينتقل المتمردون، بعد تسلحهم وتدربهم وتنامي أعدادهم، من مرحلة الكر والفر الى مرحلة المواجهة المنهجية. وهذه مرحلة تحول خطرة جدا وغالبا ما تتم قبل الأوان، كما فعل الجنرال (جياب) في فيتنام. لكن حتى لو خسر المتمردون معارك، ففي وسعهم إذا ما أحسنوا فعل الأمور الأخرى أن يجمعوا صفوفهم ويعيدوا بناء أنفسهم كما فعل الفيتناميون وتيتو.
بيد أن القتال ليس هو جوهر النضال، بل الجوهر هو تحطيم الروح المعنوية عند الخصم وجعل عمله الشاق أكثر تكلفة وبشاعة من أن يستمر فيه. هذا كان هدف معارك الجزائر، فجبهة التحرير الوطني الجزائرية خسرت الكثير من الضحايا لكنها ربحت الحرب.
عندما بسطت هذا المخطط قبل أعوام أمام (الألمع والأفضل) من قيادات جنودنا وبحارتنا وطيارينا في الكلية الحربية الوطنية، كان الدارج أن تُنسب أرقام الى هذه الجهود المتنوعة. وكان 80% من أهداف المتمردين هي لإنشاء شرعية سياسية، و15% لتحطيم الحكومة السابقة، و5% لاستخدام القوة المجردة.
قلت للفيف من الحضور عام 1962 أننا خسرنا الحرب في فيتنام، قبل الإقرار بذلك رسميا بعد عدة سنوات. ويستطيع المرء أن يقول أننا خسرنا الحرب في اليوم الذي أعلن فيه بوش أن مهمتنا محققة.
(3)
دعوني أقحم هنا كلمات قليلة عن أفغانستان والصومال
في كتابي (السياسة العنيفة) أصف ما فعله الأفغان بالبريطانيين والروس. فقد أنزلوا بالبريطانيين أكبر هزيمة ذاقوا مرارتها في القرن التاسع عشر، وأنزلوا بالروس أسوأ هزيمة منيوا بها في القرن العشرين.
وما يحدث لنا (نحن الأمريكان) لا يختلف كثيرا. فمع أننا لم نتكبد خسائر في الأرواح تماثل خسائرنا في العراق، فإن أعمالنا بغزو أفغانستان وحدت جهود طالبان والقاعدة، وها هي طالبان تنهض من جديد، ولم يجر كبح جماح القاعدة قط. وبالمقابل فإننا نفقد حلفائنا (ألمانيا، كندا، هولندا) ونعرض الناتو لخطر التفكك. وليس لنا أن نتباهى إلا بحميد كرزاي المحاط بأمراء المخدرات الذين أنتجوا عام 2007 وحده 8200 طن من الأفيون 90% مما ينتجه العالم!
ويمكن القول إن الصومال في حالة فوضى أسوأ.
إذا كنتم تذكرون الفيلم Black Hawk Down كان أمراء الحرب هم الأشرار الحقيقيون. والصوماليون تفاهموا. وهكذا حين خرجنا، قاموا بطرد أمراء الحرب. وكان الزعماء الدينيون البديل الوحيد الذي استطاعوا أن يجدوه. والأصوليون المسلمون ليسوا الطرف المفضل عندنا، لكنهم كانوا القوة الوحيدة التي استطاعت ردع ما كان أمراء الحرب يمارسونه من أعمال ابتزاز واغتصاب وقتل، والصوماليون ساندوها. ثم حرضنا الأثيوبيين ودفعنا لهم أموالا كي يجتاحوا الصومال ويطردوا الأصوليين المسلمين. وساعدنا بطائراتنا وقصفنا الصوماليين وجعلناهم يكرهوننا بعنف ولم نحل المشكلة، بل الوضع الآن أسوأ.
يتبع
__________________
ابن حوران
|