عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 21-01-2011, 03:09 PM   #4
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,483
إفتراضي


ثالثاً: الإنترنت: ملاذ أرحب وتحرر نسبي من القيود

1ـ بناء على كل ما تقدم، هل يمكن اعتبار الفضاء الرقمي بعيداً عن تأثير السلطة والمال والممارسات ذات الصلة؟ طبعاً لا. وخير دليل على ذلك، هو ما حدث أخيراً للسفيرة البريطانية في لبنان فرانسيس غاي، التي امتحدت فضل الله على مدونتها الإلكترونية مخالفة الموقف الرسمي، ما استدعى حجب المقال من قبل السلطات البريطانية.

وفي هذا السياق، اعتبر الكاتب البريطاني روبرت فيسك في مقال في صحيفة إندبندت، أنه كان على (سي أن أن) أن ترفض الانصياع للوبي الصهيوني، وعلى المكتب الخارجي (البريطاني) ـ الذي وبخته حقاً وزارة الخارجية الإسرائيلية ـ أن يسأل الحكومة الإسرائيلية متى ستوقف نهب الأراضي العربية*1. ونقل فيسك عن زميله رامي الخوري: (إننا في الشرق الأوسط معتادون على هذا النوع من الإرهاب الفكري العنصري).

لا يزال المواطنون الأمريكيون والبريطانيون الذين يتجرأون أحياناً على الحديث بدقة عن الشرق الأوسط، يتعلمون مقدار الثمن الكامل للحقيقة حين تدخل المصالح الإسرائيلية على الخط. ويؤكد فيسك أن (سي أن أن) باتت أكثر جبناً. قد يعكس هذا الجبن صورة واضحة عن إشكالية العلاقة بين الإعلام والسلطة والمال، وكيفية رضوخ وسائل الإعلام لصناع القرار والجهات النافذة والمتمولة خوفاً على مصالحها الضيقة كتراجع مصادر التمويل والإعلانات مثلاً.

وهنا يؤكد عباس بارزيغار في مقال نشرته صحيفة (هافينغتون بوست)، أن الخطوط الحمر ما تزال موجودة رغم حرية التعبير والفكر في المجتمع الأمريكي. ويلفت الى أن قرار المحطة الأمريكية جاء (بعدما أورد موقع " التغطية النزيهة " Honest Reporting الذي يصف نفسه بالمنظمة المكرسة لحماية إسرائيل من تحيز الإعلام، أن نصر مدحت إنكار فضل الله المحرقة اليهودية، والتفجيرات الانتحارية أو دوره في استهداف قوات المارينز في لبنان عام 1983... اليوم يعتبر الموقع طرد كأحد أكبر انتصاراته*2

ويعتقد بارزيغار أنه (تم خلق حاجز ثقافي في مجتمعنا يمنع أي انعكاس نقدي لتعقيدات سياسة الشرق الأوسط ونمو التطرف الديني، أكان إسلامياً، مسيحياً، أم يهودياً. إنه الحاجز نفسه الذي يهدد حياد الأكاديميين ويعيق عمل الصحافيين في أرقى مستوى). ومن شأن ذلك وضع الرأي العام في قبضة المال والسلطة والإعلام تتالياً.

2ـ ورغم أن الإعلام المرئي، ومنذ دخول التلفزيون الى مسرح التداول، أحدث ثورة حقيقية في وسائل الاتصال، لأنه جمع بين الصوت والصورة، الكلمة والمشهد، واختصر الزمان والمكان، إلا أن الشبكة العنكبوتية قد تكون المساحة أو الملاذ الأرحب للتعبير، إذا ما قورنت بباقي الوسائل. وربما يعود ذلك الى بعدها نسبياً عن الضوابط المباشرة التي يضعها رأس المال والسلطة، نظراً لانخفاض كلفة إنشاء المواقع الإلكترونية الى بضع مئات من الدولارات وسهولة القيام بذلك. فما طبيعة هذه الشبكة وحدودها؟

3ـ جعل التطور التقني المذهل لثورة المعلومات والاتصالات في العقود الأخيرة من الشبكة العنكبوتية العالمية تجسيداً حياً لمبدأ الفضاء المعلوماتي ومسرحاً يتألف من حزمة معقدة ومتشابكة من التفاعلات الرقمية، وأدخلنا في يمكن وصفه بثلاثة ميادين للفضاءات السائدة في العالم اليوم وهي:

ـ الميدان الأول: الفضاء الفيزيائي التقليدي.
ـ الميدان الثاني: الفضاء العقلي.
ـ الميدان الثالث: الفضاء المعلوماتي.

يُعد الفضاء الفيزيائي من أكثر الفضاءات التي أَلِفْنَا التعامل معها، وتسري في هذا الفضاء قوانين الفيزياء التي صاغها نيوتن لوصف قوانين الجاذبية.

ولا ريب أن كلاً منا قد عاش ضمن فضاءه العقلي الذاتي، وعايش الكثير من الحالات العقلية السائدة في بيئته، بدون أن تكون لديه حاجة بمعرفة عناصره بدقة. وقد بذلت لل (الفضاء العقلي) جهود حثيثة من الخبراء والمتخصصين في العلوم العقلية والنفسية والتيارات الفلسفية المختلفة، في محاولة لفهم الآليات السائدة فيه، وسبر ماهية مكوناته. بيد أن هذه المحاولات لم تظفر بإجابة متفق عليها أو مطلقة لوصف تفاصيل ما يحدث في هذا الفضاء، وعلى الرغم من التطور العلمي الهائل في النسق المفاهيمي الذي ترتكز إليه هذه العلوم.

أما الفضاء المعلوماتي فهو عبارة عن حلقة تحاول جذب الفضاء العقلي الى الفضاء الفيزيائي عبر معالجة رقمية تسعى الى عولمة أو (كوننة) الفضاء العقلي لكي تمتد حدوده على عموم رقعة العالم الفيزيائي، من خلال استعارة معاني مفاهيمه التقليدية في بناء المفاهيم الفريدة للفضاء المعلوماتي. ويمثل هذا الفضاء محاكاة رقمية لمفردات العالم الفيزيائي مثل: أروقة التسوق، وغرف الدردشة، والسياحة الافتراضية، والمكاتب والكتب الرقمية، والمصارف الإلكترونية. ويتم التعامل مع الوحدات الرقمية المستحدثة التي تتميز بكونها عبارة عن بيئات افتراضية بالغة التعقيد، عبر مواقع الويب التي نستعرضها أثناء إبحارنا في عباب الفضاء المعلوماتي*3.

لكن الفضاء المعلوماتي الجديد شأنه شأن الفضاء التقليدي، يتكون من أربعة مكونات رئيسية هي: المكان والمسافة والحجم والمسار. فالاستفسار عن المكان يفتش عن عنوان العقدة المعلوماتية، سواء أكانت موقع ويب، أو عنوان بريد إلكتروني في خادم من خوادم الإنترنت (Server). وترتبط دلالة مسالة المسافة بعدد معدات الشبكة المعلوماتية التي تشخص أمام عملية انتقال المعلومات والبيانات بين حاسوب وآخر. أما الحجم فتطرح أسئلته حول سعة الموقع للبيانات والمعلومات، وتحديد الوقت المطلوب لتحميل الملفات في حواسيبنا الشخصية، وفي تحديد المسار الذي تسلكه المستعرضات، لكي تبلغ بنا الى الموقع الذي ينبغي الوصول إليه*4

وهكذا نتعامل في الفضاء المعلوماتي مع فضاء شبكاتي لا صلة له بالحدود الجغرافية المألوفة، تسوده الحركة الدؤوبة من خلال الفيض المعلوماتي الدائم في جوهر افتراضي غير مرئي، غير مادي/تخيلي/ تجريدي.

لقد تكونت بيئة ثقافية يتم من خلالها تبادل المعلومات والمعارف. وساهمت في (توافر أرضية خصبة لإنشاء مجموعة من الفضاءات التخيلية التي تجمعنا مع الآخر في أنساق تواصل متنوعة باتت تشكل مورداً جديداً لحوار رقمي بين الحضارات والثقافات)*5




هوامش من تهميش الباحث نفسه:
*1ـ روبرت فيسك في مقالة بالاندبندت 10/7/2010
*2ـ عباس بارزيغار في مقال نشرته صحيفة (هافينغتون بوست) 9/7/2010
*3ـ حسن مظفر الرزو/الفضاء المعلوماتي/بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية (2007) ص 22.
*4ـ المصدر السابق ص 88
*5ـ المصدر السابق ص 109
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس