ومما ورد أيضا في هذا الباب ، مما في حياة شيخ الإسلام المجتهـد الإمام ابن تيمية الحنبـلي قال : ( فبلغ الشيخ أنّ جميع ما ذكر من البدع يتعمدها النّاس عند العمود المخلق الذي داخل ( الباب الصغير ) الذي عند ( درب النافدانيين ) فشد عليه ، وقام ، واستخار الله في الخروج إلى كسره ، فحدثني أخوه الشيخ الإمام القدوة شرف الدين عبدالله بن تيمية قال : فخرجنا لكسره , فسمع الناس أنَّ الشيخ يخرج لكسر العمود المخلق ، فاجتمع معنا خلق كثيـر ) ص 10 رسالة بعنوان ناحية من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق محبّ الدين الخطيب
فهذا شيخ الإسلام ، خرج معه خلق كثير ليغيـِّروا منكرا ، فلم يأمرهم بالرجوع عنه ( بحجة أنها مظاهـرة محرَّمة ) ! بل سار معهم إلى أن غيـَّر المنـكر بهـم !!
فكذا لو خرج العلماء ، ومعهم المحتجـُّون ، وساروا _ مثلا _ إلى مقر السلطة ، ليظهروا النكير عليها في ظلـم ، أو منكـر ، أو لرد حـقّ ، أو إطلاق سجناء حُبسوا بغير حق ، ونحو ذلك ، لكان من يسمِّى هذا ( خروجـاً عن ولاة الأمـر ) ، ويحرّمه مخطئـا خطأ بيِّنـا ، بل يكون تحريمه من أعظم أسباب بقاء الظلم ، وإستمراره ، وتعطل المصالح ، وزيادة المفاسـد في الأمـّة ، فيكون هو من أعوان الظلمة !
ومن الأمثلة أيضا ، ما هـو معلومٌ مشهـور ، ما حملته كتب التراجم من قيام العلماء السالفين بالخروج متظاهريـن لدفع المفاسد ، وللإصلاح في جماعات كثيرة ، ومن ذلك ما نقل عن الإمام البربهاري أنه كان يظهر مع أصحابه ، وينتشـرون في الإنكار ، حتى حملت كتب التاريخ تلك القصة المشهورة عن اجتيازه بالجانب الغربـي في بغـداد ، فعطس فشمَّته أصحابه ، فارتفعت ضجّتهُم حتى سمعها الخليفة وهو في روشنـه ! فسأل عـن الحال ، فأخبر بها ، فاستهولها !!
فليت شعـري ماذا كان يفعل البربهاري في مسيره هذا مع آلاف من أنصاره في ذلك الزمن في شوارع عاصمة الخلافة الإسلامية ، ولماذا لم يُنكـر عليه ، هذا الحشـد الهائل الذي كان يتوصل به إلى إنكار المنكرات ، ومقاومة الفساد ، وهو حشـد كبير بحيث إنْ يُشمّته من حوله ، يبلغ صـوت : ( يرحمك الله ) إلـى رأس السلطة في مقـرِّه !!
وأيضـا مما ورد في السنة من إستدعاء الحشد للبلاغ ، ما في الصحيحين عن ابن عباس قال : ( لما أنزل الله عز وجـل : وأنذر عشريتك الأقربـين ، أتى النبي _ صلى الله عليه وسلم _ الصفـا فصعـد عليه ، ثم نادى : يا صباحاه ، فاجتمع الناس إليه ، بين رجل يجيء إليه ، وبين رجل يبعث رسوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا بني عبد المطلب ، يابني فهر ، يابني لؤي ، أرأيتم لو أخبرتكم ، أنَّ خيلاً بسفح هذا الجبل ، تريد أن تغيـر عليكم ، صدقتموني ؟ قالوا : نعم ، قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) ، فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ، أما دعوتنا إلاّ لهذا ؟ وأنزل الله ( تبت يدا أبي لهب وتب ) .
فهذا نـصٌ واضـح في أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم ، صعـّد ليراه الناس ، واستدعاهم ليجمعهم في مكان واحـد _ في صورة أشبه ما تكون بالمظاهـرات السلمية اليوم التي يراد منها رفع مستوى قـوّة الإحتـجاج _ وليبلّغهم ، فاحتشدوا له ، واستغـلّ هذا الحشـد ، ليوصل صوته إلى أبـعد مدى ، فيبلغ ما أمـر بتبليغـه.
فليت شعري أيُّ فرق بين هذا ، وأن يدعو دعاةُ الإصلاح الناسَ لمكان محدد ، يدعون إلى حشـد كبير ، ليبلّغوا السلطة مطالبهم ، وليوصلوا حقوقهم ، ليكون فعلهم أشد وطأة ، وأعظـم تأثيرا في التغييـر !
إذ من المعلوم أنَّ استدعاء الحشد متظاهرين ، للإحتجاج الجماعـي ، يؤدي دورا بالغ التأثيـر في التغيير ، كما هو شأن كلّ ما يجتمع عليها الناس في شئونهـم العامّـة ، فيكونون أقـوى به من حال الإنفـراد ، كما ذكرنـا .
ولهذا ورد عن الأئمة ، الإرشاد إليه في إنكار المنكـر ، كما روى الخلال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص 50 ، عن محمد بن أبي حرب قال : ( سألت أبا عبدالله عن الرجل يسمع المنكر فـي دار بعض جيرانه ، قال : يأمره , قلت : فإن لم يقبل ؟ قال : تجمع عليه الجيران ، وتهوِّل عليه ) ، وقوله تجمع عليه الجيران ، وتهـوّل عليه أي ليكون ذلك أردع ، عندما يرى تظاهر الجيران كلُِّهم في الإنكـار .
ولهذا جاء في شريعتنا في مواضـع كثيرة في إظهار الإحتشاد في المجامع العامة ، كالجمع في الجوامـع الكبيـرة ، والأعيـاد في المصلّيـات في الفضـاء ، ويسار إليها مشيـا ، لرفع راية الدين ، وإغاضة إعدائه ، كما أراد النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يملأ قلب أبي سفيان رهبة من أمر الإسلام فأمر العبّاس أن يريـه الكتائب المحمدية في فتح مكة ، وهي تسيـر محتشـدة في مواكبها المهيبـة ، لتحقيـق بعض مصالح الشريعة في ذلك اليوم العظيـم .
وهذا كلُّه في غاية الوضوح ، أعني ما في شريعتنا من الإستفادة من التظاهرات العامة ، لمقاصد شرعيَّة متعـددة ، تنبـّه إلى مشروعيتها في الجمـلة ، وفائدتها للأمـَّة ، وإنه _ والله _ ليستغـرب أن يحُتـاج إلى بيان مثل هذا لاسيما في هذا الزمـن ؟!!
خاتمـة مهمّـة
وإذا كان العلماء قد أفتوا بالثورة لإصلاح أحوال المسلمين في ظلِّ سلطة ، لاترعى لهم حقـَّا ، ولا تقيم بهم عدلا ، ولا تحفظ لهم كرامة ، كما قال إمام الحرمين :
( إنَّ المتصدِّي للإمامة إذا عظمت جنايتُه ، وكثرت عاديتُه ، وفشا إحتكامُه ، وإهتضامُه ، وبدت فضَحَاتـُه ، وتتابعت عثراتـُه ، وخيف بسببه ضياع البيضة ، وتبدُّد دعائم الإسلام ، ولم نجد من ننصبه للإمامة حتى ينتهض لدفعه حسب ما يدفع البغاة ، فلا نطلق للآحاد في أطراف البلاد أن يثوروا ، فإنهم لو فعلوا ذلك لأصطلموا وأُبيـروا ، وكان ذلك سببا في زيادة المحن ، وإثارة الفتن ، ولكن إن اتفق رجل مطاع ذو أتباع ، وأشياع ويقوم محتسبـا ، آمرا بالمعروف ، ناهيا عن المنكر ، وانتصب لكفاية المسلمين ما دفعوا إليه ، فليمض في ذلك قُدُمـا ، والله نصيره ، على الشرط المتقدم في رعاية المصالح ، والنظر في المناجح ، وموازنه ما يدفع ويرتفع ، بما يتوقع ) الغياثي 115
فكيف _ ليت شعري _ يكون الحكم بالمظاهرات السلميّة التي يتحقق بها ما هـو من أعظم أهداف هذه الأمـّة ، وأرفع غاياتها ، وأسمـى قِيَمِها ، وهو العدل ، والإصلاح ، وتحرير العباد من الجور ، ورفع المظالم ، والمفاسـد عنهم .
فالله المستعان !
هذا ..ونسأله سبحانـه أن يخرج هذه الأمـّة من محنتها ، فيقم فيها راية العـدل ، والإصلاح ، ويقـوّض راية الجور ، والفساد ، وينشر الخير في البلاد ، والعبـاد ، ويهدي هذه الأمـة لسبل الرشـاد .
والله أعلـم ، وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله ، وصحبه ، وسلم تسليما كثيرا ، وحسبنا الله ونعم الوكيـل ، نعم المولى ، ونعـم النصيـر
الشيخ حامد بن عبدالله العلي