وبتعبير آخر : صريح الاية أن الاشهر لها تحقق يوم خلق السماوات والارض وظاهرها نفي التحقق قبل ذلك اليوم لمكان التقييد فنسأل أنفسنا هل هذا التحقق تحقق علمي ام عيني إن كان الاول ـ وهو العلمي ـ فيستلزم نسبة الجهل له تعالى قبل ذلك اليوم وهو محال فيتعين الثاني وأن للاشهر الاثني عشر تحقق واقعي عيني يوم خلق الله السماوات والارض
فلو كان المراد من الكتاب المذكور في الاية هو الكتاب العلمي للزم نسبة الجهل إليه تعالى ولكن التالي باطل فالمقدم مثله وإما بيان الملازمة وبطلان التالي فيتضح مما تقدم من الكلام "
قطعا حديث الماحوزى عن كون المقصود الكتاب التكوينى هو خطأ فكل ما عناه الله بكتابه فى القرآن هو الكتاب المخطوط وهو ليس مخطوط بمعنى أن ما فيه هو كتابة خطية فقط وإنما هو تصوير صوت وصورة لأن الشريعة من الكتابات الخطية
وما وصل له الماحوزى هنا ينافى علم السابق بالخلق وما يعملون
وتحدث عن كون الزمن أمر وهمى فقال :
"القرينة الثالثة :
وصف الاشهر الاثني عشر أو الاربعة الحرم بأنها دينا قيما والزمان امر موهوم لاوجود له في الخارج فليس هنالك شيء عيني في الخارج يشار له بالزمان فليس إلا السماوات والارض وحركتهما ومن حركتهما ينتزع الزمان ولذلك عرف الزمان : بانه مقدار الحركة فزمان كل موجود هو حركة ذاته
قال العلامة الطباطبائي: إن التشبث بالزمان لم يقتصر على البحث الفلسفي بل يقيس البشر منذ ايامه الاولى فعالياته ـ التي هي حركات مختلفة ـ بواسطة الزمان فيطبقها على اليوم والشهر والسنة ويتخذ مبدأ للتاريخ أيضا نقيس الحركات الصغيرة نسبيا بقطع اليوم والليلة نظير « من الفجر الى الضحى » « ومن الضحى حتى الغروب » « ومن طلوع نجمة الفجر حتى شروق الشمس »
وقد اتخذ الانسان المتمدن من «الساعة» التي تتطابق حركاتها مع حركة اليوم والليلة اداة لقياس الزمان كالساعة اليدوية والساعة الرملية والساعة الشمسية واخيرا الساعة الاعتيادية واليوم تقاس اصغر الحركات واقصى ما يمكن للحس ضبطه ولم يهدأ الناس العاديون في هذا المجال فهم يقيسون فيما بينهم بفطرتهم الحركات الصغيرة جدا بعضها على بعض ونقوم نحن أيضا بالفطرة احيانا بقياس الحركات الصغيرة « بمقدار شربة ماء » « بمقدار أن تقوم وتقعد » «بمقدار رمشة عين »
عبر التأمل في هذه القياسات نقف على الحقيقة التالية : إن الانسان باستعداده الفطري يتخذ حركة معينة مقياسا بغية تحديد سرعة وبطء وطول وقصر الحركات يقيس الحركة بوحدة الحركة وهي «الزمان» كما يقيس الاطوال بوحدة الطول والوزن بوحدة الوزن وكل شيء بوحدته
وخلاصة : الزمان أمر وهمي منتزع من حركة الاعراض والجواهر فهو مرتبط بالحركة والحركة من لوازم المادة فالمجردات لا حركة لها وما لا حركة له لازمان له "
فالزمن وهو الوقت المقاس بالليل والنهار وغيره أمر واقعى مشهود من خلال حركتى الشمس والقمر فلو كان أمر واقعى فلماذا الأجل المسمى ولماذا نموت طالما لا وجود للزمن ؟
وتحدث عن الدين القيم فقال :
"وعليه : فمن المستحيل أن يكون الزمان «دينا قيما» إذ الدين امر تكويني واقعي عيني ليس مرتبطا بعالم المادة وإنما مرتبط بكل العوالم الامكانية بكافة درجاتها وأصقاعها الوجودية : المادية والمثالية والعقلية وبتعبير آخر عرفاني : الناسوت والملكوت والجبروت واللاهوت
إن قلت : الدين كما يطلق على مجموع ما انزله الله على أنبيائه يطلق على بعضها فالمعنى أن تحريم الاربعة من الشهور القمرية هو الدين الذي يقوم بمصالح العباد كما يشير إليه قوله ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ) فليس الزمان هو الموصوف بالدين القيم وانما حرمة القتال في الاشهر المحرمة هي الدين القيم أي من الدين القيم تسمية الجزء باسم الكل كتسمية الانسان بالرقبة في قوله تعالى ( فعتق رقبة مؤمنة )
قلت : أولا : ليس قوله تعالى ( ذلك الدين القيم ) راجع فقط الى الاربعة الحرم بل هو ـ كما استظهرناه ـ راجع الى الاشهر الاثني عشر بأكلمها
وثانيا : إطلاق لفظ «الدين» والقصد منه حكما من أحكامه مجاز بحاجة الى قرينة وعلاقة مصححة لهذا الاستعمال المجازي
وتوضيح ذلك ـ على ما ذكر أهل البلاغة والمعاني ـ : أن الالفاظ المستعملة في المعاني إما أن يكون الاستعمال فيها على نحو الحقيقة أو على نحو المجاز
فالاستعمال الحقيقي للفظ : هو استعمال اللفظ فيما وضع له فمثلا العرب وضعت «للحيوان المتفرس» لفظ الاسد فإذا قال الانسان : رأيت أسدا ويقصد به الحيوان المفترس فاستعماله لهذه اللفظة «أسد» استعمالا حقيقيا
والاستعمال المجازي للفظ : هو استعمال اللفظ فيما لم يوضع له فإذا قيل : رأيت أسدا يرمي وقصد من لفظة «أسد» الرجل الشجاع فهذا الاستعمال استعمال مجازي إذ لفظة «الاسد» لم توضع للرجل الشجاع وإنما وضعت للحيوان المفترس
وعليه : فاستعمال الدين والمراد منه بعض أحكامه هو استعمال مجازي والعلاقة المصححة لهذا الاستعمال هي علاقة الكل والجزء باطلاق الكل وارادة الجزء "
وبالطبع ليس ذكر تصحيح ألأشهر الحرم هو الدين القيم ككل وإنما هو واحد من الدين القيم
وتحدث عن كون عالم الامكان هو السموات والأرض فقال :
"تعميق البحث :
عالم الامكان = السماوات والارض:
والمتتبع لايات الذكر الحكيم يحصل له الجزم على أن السماوات والارض تشمل جميع عالم الامكان فجميع ما خلق الله من ذوات مجردة نورانية ومن ذوات لها تعلق بالمادة ومن ذوات مادية لا تتعدى السماوات والارض فالخالق هو الله والمخلوق ما في السماوات والارض وما بينهما والايات الدالة على ذلك كثيرة منها :
1 / قوله تعالى ( الله الذي خلق السماوات والارض ومابينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش مالكم من دونه من ولي ولاشفيع أفلا تتذكرون * يدبر الامر بين السماء الى الارض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون )
2 / وقوله تعالى ( ولله يسجد من في السماوات والارض طوعا وكرها )
3 / وقوله تعالى ( إن كل من في السماوات والارض إلا آتي الرحمن عبدا )
وغيرها من الايات الكثيرة جدا الحاصرة لخلق الله بالسماوات والارض ومابينهما وقد ذكر الله سبحانه وتعالى بأن عدد السماوات سبع وكذلك الارض ( الله الذي خلق سبع سماوات ومن الارض مثلهن ) والموجودات النوراينة المجردة اعني الملائكة على درجات وجودية متفاوتة بحسب الكمالات الكامنة في تلك الذوات القدسية فهنالك ملائكة مكلفون بتدبير امره في السماء الدنيا وهنالك ملائكة مكلفون بتدبير امره في السماء الاولى وهنالك ملائكة مكلفون بتدبير أمره في السماء الثانية المشار إليهم في قوله تعالى ( والمدبرات امرا ) وهذا التدبير محكوم بنظام الامر بين الامرين فلا جبر لهذه الذوات المقدسة ولا تفويض إذ لازم الاول الكفر ولازم الثاني الشرك والتوحيد الخالص في الامر بين الامرين
إذ عرفت ذلك : فلهذه الاشهر الاثني عشر تحقق قبل خلق المجردات والموجودات النورية المقدسة وهذا النحو من الوجود لايتلاءم مع الوجود المادي والزمان الوهمي المنتزع من حركة هذا الوجود المادي فقرن الاشهر الاثني عشر مع السماوات والارض دليل صريح على أن هذه الاشهر ليست هي الزمانية التي هي من لوازم العالم المادي الذي لا يتعدى حدوده الارض
وإن شئت قلت : هذه الاشهر الاثني عشر شيء غير السماوات والارض وما بينهما فهو مخلوق ممكن آخر لله تعالى فالوجود منحصر في : الله وهو الوجود الحق والسماوات والارض وما بينهما وفيهما والاشهر الاثني عشر التي هي بين يدي الله يوم خلق السماوات والارض "
والخطاء فى الكلام السابق هو :
الحديث عن كون الملائكة مخلوقة من نور وهو ما يخالف أن كبيرهم السابق هو جنى ومن ثم هم فصيل مختار من الجن كما أن الإنس قصيل مختار من البشر وفى هذا قال " إلا إبليس كان من الجن "
والثانى كون المدبرات هى الملائكة وهو ما يخالف أنها موجودة فى السموات كما قال تعالى :
" وكم من ملك فى السموات"
|