12 - أما إذا انغمس في الماء القليل بنية رفع الحدث، كان الماء كله مستعملا عند الحنفية والمالكية والشافعية، لكن عند الحنابلة يبقى الماء على طهوريته ولا يرفع الحدث وكذلك يكون الماء مستعملا عند الحنفية لو تدلك ولو لم ينو رفع الحدث؛ لأن التدلك فعل منه يقوم مقام نية رفع الحدث المتفق عليه أن الماء الكثير لا يتنجس بشيء، ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه، على ما سبق
14 - وقد فصل الحنفية هذا بما لم يفصله غيرهم، ونصوا على أن الماء لا ينجس بخرء الحمام والعصفور، ولو كان كثيرا؛ لأنه طاهر استحسانا، بدلالة الإجماع، فإن الصدر الأول ومن بعدهم أجمعوا على جواز اقتناء الحمام في المساجد، حتى المسجد الحرام، مع ورود الأمر بتطهيرها وفي ذلك دلالة ظاهرة على عدم نجاسته وخرء العصفور كخرء الحمامة، فما يدل على طهارة هذا يدل على طهارة ذاك وكذلك خرء جميع ما يؤكل لحمه من الطيور على الأرجح "
وكل هذا الكلام خلافى بين الفقهاء والماء طاهر انغمس فيه جنب أو قذر او كافر طالما كان ماء البير متجدد فإن توقف عن التجدد وبقى ماء راكد فهو ماء ممرض لا يجوز النزول فيه لأن الله وصف الماء بالطهور والمبارك
وتحدثوا عن وقوع الحيوانات فى الآبار فذكروا خلافات الفقهاء فى الموضوع فقالوا :
"المبحث الرابع
أثر وقوع حيوان في البئر
15 - الأصل أن الماء الكثير لا ينجس إلا بتغير أحد أوصافه كما سبق واتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أن ما ليس له نفس سائلة، إذا ما وقع في ماء البئر لا يؤثر في طهارته، كالنحل، لحديث سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فماتت فهو حلال
16 - ويختلف الفقهاء فيما وراء ذلك، فغير الحنفية من فقهاء المذاهب الأربعة يتجهون إلى عدم التوسع في الحكم بالتنجس بوقوع الحيوان ذي النفس السائلة (الدم السائل) عموما، وإن وجد بعض اختلاف بينهم
فالمالكية ينصون على أن الماء الراكد، أو الذي له مادة، أو كان الماء جاريا، إذا مات فيه حيوان بري ذو نفس سائلة، أو حيوان بحري، لا ينجس، وإن كان يندب نزح قدر معين، لاحتمال نزول فضلات من الميت، ولأنه تعافه النفس وإذا وقع شيء من ذلك وأخرج حيا، أو وقع بعد أن مات بالخارج، فإن الماء لا ينجس ولا ينزح منه شيء؛ لأن سقوط النجاسة بالماء لا يطلب بسببه النزح وإنما يوجب الخلاف فيه إذا كان يسيرا وموت الدابة بخلاف ذلك فيها ولأن سقوط الدابة بعد موتها في الماء هو بمنزلة سقوط سائر النجاسات من بول وغائط، وذاتها صارت نجسة بالموت فلو طلب النزح في سقوطها ميتة لطلب في سائر النجاسات، ولا قائل بذلك في المذهب وقيل: يستحب النزح بحسب كبر الدابة وصغرها، وكثرة ماء البئر وقلته
17 - وقال الشافعية: إذا كان ماء البئر كثيرا طاهرا، وتفتتت فيه نجاسة، كفأرة تمعط شعرها بحيث لا يخلو دلو من شعرة، فهو طهور كما كان إن لم يتغير وعلى القول بأن الشعر نجس ينزح الماء كله ليذهب الشعر، مع ملاحظة أن اليسير عرفا من الشعر معفو عنه ما عدا شعر الكلب والخنزير
ويفهم من هذا أن ماء البئر إذا كان قليلا فإنه يتنجس ولو لم يتغير، وهو ما رواه ابن الماجشون ومن معه من المالكية في الآبار الصغار إذا مات فيها حيوان ذو نفس سائلة
18 – ويقول الحنابلة: إذا وقعت الفأرة أو الهرة في ماء يسير، ثم خرجت حية، فهو طاهر، لأن الأصل الطهارة وإصابة الماء لموضع النجاسة مشكوك فيه وكل حيوان حكم جلده وشعره وعرقه ودمعه ولعابه حكم سؤره في الطهارة والنجاسة ويفهم من قيد " ثم خرجت حية " أنها لو ماتت فيه يتنجس الماء، كما يفهم من تقييد الماء " باليسير " أن الماء الكثير لا ينجس إلا إذا تغير وصفه
19 - أما الحنفية فقد أكثروا من التفصيلات، فنصوا على أن الفأرة إذا وقعت هاربة من القط ينزح كل الماء؛ لأنها تبول وكذلك إذا كانت مجروحة أو متنجسة وقالوا: إن كانت البئر معينا، أو الماء عشرا في عشر، لكن تغير أحد أوصافه، ولم يمكن نزحها، نزح قدر ما كان فيها
20 - وإذا كانت البئر غير معين، ولا عشرا في عشر، نزح منها عشرون دلوا بطريق الوجوب، إلى ثلاثين ندبا، بموت فأرة أو عصفور أو سام أبرص ولو وقع أكثر من فأرة إلى الأربع فكالواحدة عند أبي يوسف، ولو خمسا إلى التسع كالدجاجة، وعشرا كالشاة، ولو فأرتين كهيئة الدجاجة ينزح أربعون عند محمد وإذا مات فيها حمامة أو دجاجة أو سنور ينزح أربعون وجوبا إلى ستين استحبابا وفي رواية إلى خمسين
وينزح كله لسنورين وشاة، أو انتفاخ الحيوان الدموي، أو تفسخه ولو صغيرا وبانغماس كلب حتى لو خرج حيا وكذا كل ما سؤره نجس أو مشكوك فيه وقالوا في الشاة: إن خرجت حية فإن كانت هاربة من السبع نزح كله خلافا لمحمد
وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف في البقر والإبل أنه ينجس الماء؛ لأنها تبول بين أفخاذها فلا تخلو من البول ويرى أبو حنيفة نزح عشرين دلوا، لأن بول ما يؤكل لحمه نجس نجاسة خفيفة، وقد ازداد خفة بسبب البئر فيكفي نزح أدنى ما ينزح وعن أبي يوسف: ينزح ماء البئر كله، لاستواء النجاسة الخفيفة والغليظة في حكم تنجس الماء "
وكل هذا الكلام بلا دليل من القرآن فتجدد مياه البير ينفى عدم صلاحية ماء البير للشرب والوضوء والاغتسال والطهى والطبخ ويجب فى كل الأحوال :
اخراج الحيوان حيا أو ميتا من البئر
والحيوان الميت إذا ظل فى البير فإنه يمرض الماء بمعنى أنه يتسبب فى نقل أمراض عن طريق الماء نتيجة تحلل الجثة
وفى حالة الحيوان الميت الذى لم يعرف بوجوده يجب نزح الماء من البير حتى تختفى كل أجزاء الميت من الماء كما تختفى رائحة التحلل من البير وهذا حرصا على الصحة لقوله تعالى :
" وما جعل عليكم فى الدين من حرج "
وتحدثوا عن تطهيرالبير وتغويره فقالوا :
المبحث الخامس
تطهير الآبار وحكم تغويرها
21 - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه إذا تنجس ماء البئر فإن التكثير طريق تطهيره عند تنجسها إذا زال التغير ويكون التكثير بالترك حتى يزيد الماء ويصل حد الكثرة، أو بصب ماء طاهر فيه حتى يصل هذا الحد
وأضاف المالكية طرقا أخرى، إذ يقولون: إذا تغير ماء البئر بتفسخ الحيوان طعما أو لونا أو ريحا يطهر بالنزح أو بزوال أثر النجاسة بأي شيء بل قال بعضهم: إذا زالت النجاسة من نفسها طهر وقالوا في بئر الدار المنتنة: طهور مائها بنزح ما يذهب نتنه
22 - ويقصر الشافعية التطهير على التكثير فقط إذا كان الماء قليلا (دون القلتين) إما بالترك حتى يزيد الماء، أو بصب ماء عليه ليكثر، ولا يعتبرون النزح لينبع الماء الطهور بعده؛ لأنه وإن نزح فقعر البئر يبقى نجسا كما تتنجس جدران البئر بالنزح وقالوا فيما إذا وقع في البئر شيء نجس، كفأرة تمعط شعرها، فإن الماء ينزح لا لتطهير الماء، وإنما بقصد التخلص من الشعر
|