عرض مشاركة مفردة
قديم 01-04-2006, 07:01 PM   #15
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

(3)

لم تكن مهمة خبير المساحة الإنجليزي سهلة ، فقد أوكلت إدارة الانتداب البريطاني في أواسط الثلاثينات من القرن السابق ، الى المساح ( موفد ) مهمة تنظيم وتقسيم و إفراز أراضي ( العتيقة ) .. وقد أقام ( موفد ) مع فريق عمله عدة سنوات ، حتى أنجز مهمته الصعبة ..

لقد كانت أراضي العتيقة والتي بلغت مساحتها أكثر بقليل من ثمانية عشر ألف هكتار ، في حالة تنازع بين سلطتي الانتداب الفرنسي و البريطاني ، وعندما تم إلحاق ( العتيقة) بإدارة الانتداب البريطاني .. شرعت لتنظيم تلك القرية .. والتي كان أصحابها يحتفظون بسندات تسجيل عثمانية ، وقسم كبير يحتفظ ب ( حجة) تملك .. وهي سندات تنظم بوجود شهود ، على أن فلانا قد باع لآخر أرض ..

لقد مر على هذه القرية ، عدة موجات توطن ، فتجد بآثار ( الخرائب) ما يشير الى وجود توطن في العهد اليوناني و الروماني و الأموي و المملوكي .. ولكن ليس بالقرية من يدعي بالقدرة على تتبع وجود أجداده ، لأكثر من مائة وخمسين عاما .. رغم وجود علماء نحو و تاريخ تنتهي أسماؤهم بالعتيقة .. لكن لم أسمع من المسنين ، أن أحدا يقول أنه من أحفاد النحوي عبد الله العتيقي أو المؤرخ محمود العتيقي ..

عندما تأملت في ظاهرة عدم تتابع وتواصل أجيال ( العتيقة ) ..عن دون القرى والتجمعات السكنية التي تقع غربها بعدة أميال ، ركزت نظري ، علني أجد لذلك سببا .. فوجدت أن القرية كانت تقع على مقربة من الصحراء ، لكنها تتفوق على الصحراء في أنها تستطيع إطعام بضعة مئات من العائلات من إنتاجها ..ولكن دون انتظام .. ففي بعض العقود كانت سنين القحط تمتد الى خمسة سنوات أو أكثر ..

كان التصاق سكان القرية بها ، ضعيفا و إدارة الدولة العثمانية ، لم تغطيها بشكل يكفي لدرء هجوم رعاة الأغنام و الإبل ، الذين كانوا يستغلون سنين الغلال والمواسم الجيدة ، ليرعوا بها و يهجرون سكانها أو يقتلونهم .. فكان بقائهم بها يتوقف على الجانب الأمني ..

وقد عاود السكان التوطن بها في أواخر القرن الثامن عشر .. ولو تتبعت أصل سكانها ، لأفادك كل منهم أن أجداده أتوا لتلك القرية ، بعد أن قتلوا شخصا في القرية الفلانية ، وستجد منهم أصولا من أربعة أقطار عربية مختلفة . أو هربا من الخدمة في الجيش العثماني ، حيث كنت تجد في القرية عشرات العرق ( بضم العين و مفرده عراق وهو ثقب أو كهف في أبط تل ) يسهل على المتخفي أن يبقى به هو عياله و حلاله دون أن يفضح أمره ..

كان على (موفد) أن يوفق بين عدة مئات من الرجال الذين كانوا ينتمون لعدة عائلات ، انقسموا في السابق الى قسمين : قسم أراد أن يكون تحت الإدارة الإنجليزية و قسم أراد أن يكون تحت الإرادة الفرنسية ..

فقسم الأراضي الى مائة و ثمانين ( ربعة ) والربعة كانت تساوي بين ثمانين هكتارا و مائة و عشرين هكتارا .. حسب خصوبتها .. وحسب تراضي لجنة ممثلي المالكين ..

لقد كانت الأراضي قبل وصول ( موفد) تقسم الى ( دواقير ) و ( الداقورة) هي مساحة الأرض التي يمكن لأسرة حصادها في يوم واحد .. ويبدو من شكل التقسيم السابق ، أن دوافعه كانت أمنية بحتة ، حيث يرحل الحاصدون كلهم الى اتجاه واحد يحصدون و ينقلون قشهم و غلالهم في نفس اليوم على الجمال ، ويحتمون بكثرتهم أمام هجمات الرعاة ..

وقد حسم أمر الرعاة و البدو قبل مجيء ( موفد) بحوالي عشرة سنوات عندما انتهت الحرب ( حرابة ) بين البدو والفلاحين والتي قتل بها عشرات الأشخاص من الطرفين وانتهت لصالح الفلاحين الذين أثاروا إعجاب سكان القرى المجاورة ببسالتهم .. و خلدت القصائد الشعبية تلك ( الحرابة ) التي استمرت تسع سنوات متواصلة .. حتى استقر شكل الأرض للفلاحين .

كان رؤساء العائلات الذين جلسوا مع ( موفد) لتسوية أراضي القرية ، يراعون جانب العلاقات بين المتجاورين .. فوضعوا شكلا للملكية لا يزال يثير إعجابي لدقته و عدله في كثير من جوانبه .. فقسموا ال (180 ربعة ) الى 36 قسم سموه الخمسات أي كل خمس ( ربعات ) جزء ووضعوا له رئيسا و ممثلا عن الملاكين .. وبين كل خمسة وخمسة طريق ضيق بعرض ثلاثة أمتار ، وبين كل عشر( ربعات ) طريق بعرض ستة أمتار ..

لقد ترك للبلدة جذرا سمي فيما بعد ( جذر البلد) و كان بمساحة تسعة كيلومترات مربعة .. و ترك حول الجذر ( بيادر ) لنقل القش ودرسه و تذريته واستخلاص الحبوب منه ..

لقد طال رؤساء الخمسات ، نصيب من الحظوة الإضافية ، وكانوا ست وثلاثون شخصا ، حيث تضاعفت حصصهم عن دون سكان البلدة ، ولربما كانت تلك أجورهم من قبل الإنجليز بدلا من أتعابهم خلال سنين التنظيم .. وأصبح
هؤلاء أكثر أهل البلدة وجاهة ، وهم الأكثر تأثيرا و الأكثر قربا من الحكم !
__________________
ابن حوران

آخر تعديل بواسطة ابن حوران ، 01-04-2006 الساعة 07:18 PM.
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس