عرض مشاركة مفردة
قديم 02-09-2010, 01:37 PM   #2
عصام الدين
عضو جديد
 
تاريخ التّسجيل: Dec 2000
المشاركات: 829
إفتراضي



وأخيرا كيف انتهى الأمر ببعض المواطنين إلى أن يرتبطوا بأطروحات أجنبية جائرة تعمل على هدم الوطن وعلى تجزئته وتفكيكه واستقطاع كيان مصطنع من أرضه ومجاله، منفذة لمقولة يقطع الشجرة فرع منها، ومغرية بصنع زعامات فارغة تستمد مشروعها وبرنامج عملها ومواردها ومصادر تغذيتها من أعداء الوطن ؟.

وإن من المؤسف حقا أن يضعف الإحساس بروح المواطنة في بعض المواطنين ويتبدى ذلك الضعف في طريقة أداء الموظف لواجبه إزاء المواطنين، وفي ممارسة السرقات والاختلاسات المجحفة بحق المواطنين وفي المتاجرة بصحة الناس وفي تعمد تدمير البيئة وفي تزييف الوعي وفي تحريف الدين وفي هدم الأخلاق، وفي تفكيك الأسر، وفي الإساءة إلى سمعة الوطن، وفي اللامبالاة في التعامل مع قضايا الوطن، وفي تدمير مكاسب الوطن ومنجزاته، وفي تحطيم المرفق العام .

والذي أراه أن هذا الوضع من اللامواطنة قد تظافرت في صنعه وإنتاجه عوامل وأسباب ثقافية وتربوية واجتماعية متعددة انتهت به إلى هذه الدرجة من التردي.
وهي عوامل ستستمر آثارها حاضرة ما لم يتم تحديدها والتعرف عليها واقتلاعها وصياغة وعي وطني بديل يؤسس لمستقبل جديد.
وهذه العوامل متعددة تكفي الإشارة إلى بعضها في هذا الحيز.
ومن أهم تلك الأسباب والعوامل سبب ثقافي يكمن في تحييد الدين عن الإسهام في صياغة قيم السلوك الاجتماعي، كما يكمن في الإلحاح على الإبقاء على الدين بمنأى عن الحياة في مربع الاكتفاء بالتوجيه الروحي وبالإرشاد إلى كيفية أداء العبادة بمعناها التعبدي الضيق.

وقد أصبح اعتناق هذا الرؤية الناشئة عن الجهل بحقيقة الإسلام وعن إلحاح الفكرالذي يسعى جاهدا إلى فصل الدين عن كل شرايين الحياة سببا مباشرا في إبعاد القيم الدينية وإقصائها عن نشر ثقافة المواطنة وعن دعم وجودها ومنحها إلزامية التدين. وقد كان بالإمكان الوصول بالإنسان إلى مستوى أرقى من الإحساس بضرورة المشاركة لو أن قيم الإسلام قربت إلى الناس وشخصت في صورة قيم للمواطنة فعرف المواطن أن عزوفه عن المشاركة في الانتخابات مثلا هو تقصير في القيام بواجبه الشرعي في أداء الشهادة التي يلزم بها قول الله تعالى: " ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه" [ البقرة 283 ]. فمن ثم يشارك المسلم وجوبا في أداء هذه الشهادة، فيشهد بما يعرف ولا يتخذ سلبيته دليلا على سموه هو وعلى هبوط الآخرين.

ولو أن معطى الدين وظف مثلا في الإقناع بأن المواطن قد أعطى عهدا موثقا باحترام قانون السير حينما طلب رخصة السياقة وأجاب عن الأسئلة التي وجهت إليه من أجل الحصول عليها، فكان بذلك مكلفا بالوفاء بالعهد على احترام قانون السير بموجب قول الله تعالى : " وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا" [ الإسراء 34]. وحينذاك تسير عملية مكافحة حوادث السير مسارا آخر.

ومن الأسباب المؤدية إلى فشو ثقافة السلبية وإلى الانسحاب وجود ثقافة رسختها منذ زمن طويل عدة مقولات كان السلبيون يضخونها في المناخ الثقافي وقد عبرت تلك الثقافة عن نفسها بأقوال ناصحة من مثل قولهم: " سبََّق الميم ترتاح" " ما شفتش وما نعرفش" وقولهم : " سد فمك الكوشة يدخلها النار من فمها" " ادخل سوق راسك" " كل شاة تتعلق من كراعها" وتوجد في منظومة المأثورات الشعبية ترسانة قوية من مثل هذه النصائح الداعية إلى السلبية وإلى الانسحاب والهروب من المجتمع.

وقد كانت هذه المقولات التي نشأت وانتشرت في زمن التراجع الحضاري والتخلف الفكري والجهل بحقيقة الدين نقيضا ثقافيا لما عرفته الأمة من تضامن قوي أفرز مجموعة من العادات والتقاليد في التآزر والتواصل.

وإلى جانب هذه الثقافة الشعبية المتخاذلة ثقافة أخرى حديثة ليست أقل سلبية من سابقتها، وهي ثقافة اتجهت إلى تركيز الفردانية وإلى الاستعلاء على المجتمع وإلى احتقار ثقافته وقيمه ومفاهيمه وإلى مخاصمة تاريخه، فخرجت عليه بمفاجآت وسلوكات صادمة من شأنها أن تحدث القطيعة بين الأجيال وتحدث فجوة تعوق انتشار ثقافة المواطنة.

آخر تعديل بواسطة عصام الدين ، 02-09-2010 الساعة 01:43 PM.
عصام الدين غير متصل   الرد مع إقتباس