عرض مشاركة مفردة
قديم 25-05-2009, 11:14 PM   #4
المشرقي الإسلامي
أحمد محمد راشد
 
الصورة الرمزية لـ المشرقي الإسلامي
 
تاريخ التّسجيل: Nov 2003
الإقامة: مصر
المشاركات: 3,808
إفتراضي

إن إشاراتنا هذه لا تعني بأي حال استهجانا لموقف سياسي تبنته الشاعرة .لكنه يعني رفضا لتماهي المثقف خاصة مع الأطروحات والنظريات السياسة بما تحمله من حدود ومحددات تفرضها الوقائع والمعطيات والمصالح السياسية. ما يجب أن نشير اليه أيضا في قصائد هذا الديوان أن الاهتمام بالبناء الفني للقصيدة واستعراض القدرات اللغوية والتصويرية لم يعُد يشغل الشاعرة كثيرا ، بقدر جنوحها لتناول الفكرة والتعبير عن العاطفة والخلجات الإنسانية مع ترك شكل القصيدة ولغتها وصورها تأتي عفو الخاطر .

- تفتح مريولها في الصباح ،شقائق حمرا وباقات ورود .

- وعادت الى الكتب المدرسية كل حروف سطور الكفاح التي حذفوها .

- وعادت الى الصفحات خريطة أمس التي طمسوها .

- ورفرف مريولها راية في صفوف المدارس,رفرف وامتد.

* * * * * *

في مجموعتها على( قمة الدنيا وحيدا ) والتي جاءت تسميتها تأثرا بوحدة غسان كنفاني المُطلقة في (ما تبقى لكم)يتضح اتساع شبكة علاقات الشاعرة الانسانية والوطنية ، مما يعني خروجها القوي من عالم الذات وتفاعلها الفاعل مع الآخرين لقد تضمّنت المجموعة قصائد رثاء لجمال عبد الناصر ووائل زعيتر . كما تضمنت مكاتبة لسميح القاسم. وتناولت مفكرات السجناء والتي نبشتها وتحدثت عما فيها، كما في (أغنية صغيرة للناس) المُهداة الى السجينة ليلى عودة .و(اليهم وراء القُضبان )وفي ذلك تكريس لمنهج جديد في شعر الشاعرة .وتلمس لدرب الاندماج في شعر المقاومة الذي بدأ يتكرس منذ فترة في أشعار درويش والقاسم وزيّاد..وغيرهم من شعراء المُقاومة الفلسطينية .

تلفت النظر في ذات المجموعة قصيدة (ايتان في الشبكة الفولاذية )فقد بدأت الشاعرة تستبطن ذات الآخر وتنبش في ذاكرته ،وتُصوِّر كيانه الشبكي الأخطبوطي المُحاط بالجدران والأسلاك انها تتحدث عن الطفل اليهودي الإنسان بموضوعيّة وتجرُّد باعتبار أن أهله لم يُهوِّدوه بعد ليتجرّد من إنسانيته تجاه الفلسطينيين اذ يرتوي بالفكر الصهيوني العنصري :

يفتح عينيه (ايتان )

الطفل الإنسان

يسأل في العتمة عن

معنى العتمة والجُدران

والزمن المبتور الساقين

المتسربل بالكاكي..بالموت القاسي

بالـدخّـان وبـالأحـزان .

لو تُنبِئ بالصدق النجمة

لو تنبئ بالصدق لكن النجمة... واأسفاه .

* * * * * *

يبدو أن ديوان (تموز والشيء الآخر ) والذي ضمّ قصائد العقدين الثامن والتاسع من القرن الماضي خاصة ،شكّل مرحلة تحوُّل في نظرة الشاعرة فدوى طوقان للواقع السياسي والوطني وتعاطيها معه ،فقد كانت المرحلة المُمتدّة من عام 1967-1973ممرحلة جدب وشحوب فكري في حياة الشاعرة، كما في حياة أبناء شعبها الفلسطيني والعربي :أما في بواكير انتصارات عام 1973 فقد:

فقد دقّت الساعة العظيمة في الساحة

واستنفرت خيوط الشهامة

كان لابُدّ أن تقوم القيامة .

ومع دقّة الساعة النابلسية في ميدان المدينة تورّد وجه الشاعرة مرّة أخرى وانساب الشعر على شفتيها بعد السنين العِجاف :

السنين العجاف طالت, تآكلت

ووجهي ما عاد وجهي ,وصوتي

في السنين العجاف ما عاد صوتي

كان لا بُدّ أن تقوم القيامة

قبل أن يسترد وجهي الحز يراني ـ ذاك الكابي ـ خيوط الوسامة
.

واضافة لتداعيات حرب تشرين .كانت العمليات الفدائيّة الفلسطينية تُحيي روح الأمل في نفس الشاعرة وتشحذ همّتها ليتدفّق وجدانها مُخلِّدا ًبطولات الفدائيين بعاطفة صادقة وحسٍّ مُرهف كما فعلت مع دلال المُغربي في (النورس ونفي النفي):

يا طيري يا طير البحر الآن عرفت

في الزمن الصعب الواقف في أقبية الصمت

تتحرك كل الأشياء ، تنمو البذرة في قلب الموت
.

الا أن تجارب الوقوف على الجسور وأمام شبابيك التصاريح , المُعبِّرة عن تجارب ذاتيّة للشاعرة ,تُرافقها في أكثر من مكان في هذا الديوان أيضا كما في قصيدة ،(انتظار على الجسر ):

لياليّ واقفة ،ضفّة النهر عطشى

ونحن على الجسر ... عيني وقلبي وأذّني

على الجسر نحن عطاشٌ عطاش

لكن الأردن اليوم يلجمه الليل لا يتدفّق

ولكن الأردن اليوم ليس يُغنّي .

وكما في قصيدة (حكاية أخرى أمام شبّك التّصاريح )التي عبّرت فيها الشاعرة عن يأسها من واقع أمّتِها العربية أمام اهانة وإذلال العدو لها وغطرسته المُستمرّة في إغلاق الجسور ومنع الناس من السفر لحجج واهية ليعودوا ولسان حالهم كما لسان حال الشاعرة :

فتراجعت بخطو يتعثّر

أي وربّي لم أعد أفهم شيئاً غير كوني

في زمان اليتم والحكم اليهودي المُقدّر

ليس لي معتصم يأتي فيثأر

لا ولا خالد في اليرموك يظهر .


وتبقى قصيدة (شهداء الانتفاضة )التي ذيّلت هذا الديوان من أكثر قصائد الشاعرة عُمقا من حيث صدق العاطفة والبعد عن الذاتية ، فقد بدأتها مُباشرة بتصوير تجربة شهداء انتفاضة الحجر المُنطلقة عام 1987 بحيث تتبّعت رحلة نضالهم منذ بناء اللبنات الأولى وحتى لحظة المُواجهة والاستشهاد :

رسموا الطريق الى الحياة

رصفوه بالمُرجان بالمُهج الفتيّة بالعقيق

رفعوا القلوب على الأكفّ حجارة جمراً حريق

رجموا بها وحش الطريق .

وقد أحسنت الشاعرة التصوير دون أن تُلقي بالاً للسبك اللغوي على حساب المعنى. بل ان عمق العاطفة والتماهي مع الموضوع أشغلاها عما سواهما .فجاءت لغتُها عفو الخاطر،لغة صادقة مُعبِّرة عن مشاعر فلسطينية عايشت رحلة الشهادة والشُهداء .ولا ندّعي أن هذه القصيدة – على شُهرتها – هي قمّة ما كتب في شهداء الانتفاضة فقد كتب الكثيرون قصائد أخرى رائعة .ولو قُدِّر للشاعرة أن تُعبِّر عن مشاعرها تجاه شهيد قريب عزيز عليها لكانت عاطفتها أعمق ولكانت حرارة العاطفة تتنزّى من بين الكلمات .لقد صورت الشاعرة هؤلاء الشهداء تصويرَ مُشاهد مُتأثّر ٍ ومُنفعِل ٍبها ,رفعت من مكانتهم وجعلت منهم نورا نوراً يُضيء العتمة :

أنظر اليهم في البعيد .يُعانقون الموت من أجل البقاء

يتصاعدون الى الأعالي . في عيون الكون هم يتصاعدون.


إلا أنها لم تستطع أن تلج دواخل هؤلاء الشهداء، لتستقرىء قرائحهم وتسبر غورهم ، وتُعبِّر عما يجول في خواطرهم .

وبعد ...

فان ما قلناه في قصائد فدوى طوقان لا ينتقص من شاعريّتِها كفلسطينية اجتازت شتى صنوف المُعيقات الاجتماعية والسياسية ،واستطاعت أن تحفر بأظافرها مكانة مُميّزة لها في دنيا الثقافة الفلسطينية والعربية ،بجهدها وارادتها ...استطاعت أن تخرج من قُمٌقمِها وتحطِّم الجدران التي أقيمت حولها ،لتُعبّر عن ذاتها وعن هموم شعبها وان كان تعبيرها عن هموم هذا الشعب واقعا ًتحت تأثير تلك الذاتية التي لا تكاد تخلو منها مُعظم قصائدها الوطنية.

ان كل ذلك يدفعنا لتلمُّس بعض الأسباب التي أبقت الشاعرة لفترة طويلة غارقة في ذاتيتها وجعلت من شعرها الوطني أقلّ حرارة وعمقا .ومن أهمّها :

1. الواقع الاجتماعي والجو الأسري الذي نِأت فيه .بما فيه من قيود ومُحدّدات اجتماعية تحكمها تقاليد تحد ّمن نشاط المرأة وخروجها للتعلم أو العمل أو المُشاركة في النشاطات الاجتماعيّة والسياسية أو الانتماء للمنظمات الأهلية والتنظيمات السياسية المُختلفة. وبالتالي حرمانها من مصدر هام من مصادر شحن الوجدان الإنساني واحياء الروح الانفعالية عند الشاعرة .

2. المستوى الاقتصادي والاجتماعي لأسرة الشاعرة .والذي ترتب عليه ارتباطات سياسية تحكمها توجهات ومعايير مُختلفة .فقد عُرِفت عائلة طوقان ككثير من العائلات الفلسطينية الأخرى بعلاقات وطيدة مع أركان الحكم الهاشمي في الأردن الشقيق ، اذ عمل بعض أفراد عائلتها في الديوان الملكي الهاشمي . الأمر الذي جعلها قريبة من مجالس السياسيين الكبار بتوجُهاتهم ومصالحهم المُتضاربة وذلك على حساب ارتباطها بنبض الناس في الشارع الفلسطيني .


http://pulpit.alwatanvoice.com/content-55465.html
__________________
هذا هو رأيي الشخصي المتواضع وسبحان من تفرد بالكمال

***
تهانينا للأحرار أحفاد المختار




المشرقي الإسلامي غير متصل   الرد مع إقتباس