عرض مشاركة مفردة
قديم 30-05-2008, 12:53 PM   #15
السيد عبد الرازق
عضو مميز
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2004
الإقامة: القاهرة -- مصر
المشاركات: 3,296
إفتراضي

[FRAME="11 70"]بسم الله الرحمن الرحيم

الخطاب الدعوى للمرأة..إلى أين؟؟

برغم أننا وصلنا إلى عصر مايسمى بثورة الاتصالات وتقدم التقنيات الحديثة إلا أن مشكلة الخطاب الدعوي للمرأة مازالت قائمة ومتوقفة عند مرحلة ماقبل منتصف القرن العشرين..ولا أدرى على وجه التحديد ماهو السبب الحقيقي لهذا التوقف ولا لماذا ظل التطور الخطابي مؤطراً داخل أطر بعينها رفض أن يخرج منها وعنها..وعندما تطالع نشرات دعوية نسائية أو ترى برنامجاً تلفزيونياً يدعو المرأة تلمس فى كثير منها قصوراً ملحوظاً يحتاج إلى دراسة وفحص وإعادة تقويم..

إن معظم النشرات والمطويات الدعوية الموجهة للمرأة إما تخاطب الوجدان أو العقل وفى هذا خير كثير بيد أن المواضيع التى تطرقها وطريقة العرض هى التى ساهمت فى تكبيل سير الدعوة النسوية فى الاتجاه الصحيح..فإذا خاطبت الوجدان قصت عليها القصص المستفزة للدموع وحكايات بنات جنسها اللواتى أكلهن ذئاب البشر وسقطن فى مستنقع الرذيلة والخطأ ولم يعدن إلى رشدهن إلا بعد فوات الأوان..وإذا خاطبت العقل لم تخرج عن الحجاب وطاعة الزوج والتهديد والوعيد بعذاب الله إن لم تفعل كذا وكذا أو أسَرتها فى ساحة فتاوى الحيض والنفاس والطلاق المعلق..وربما أجد لهذا التأطير سبباً وسنداً يأتى من بعض كتب السلف وليس كلها حين تتحدث عن النساء بأن عقولهن محدودة الفكر وعواطفهن أسبق من قراراتهن..وهو حق لبعض فئات النساء وفى أوقات معينة من حياتهن لكن هذا بالطبع لا يمكن أن ينطبق على جميع النساء وكل مراحل أعمارهن وفى السيرة ما يركز على إمكانية الاعتماد على عقول النساء ومشاورتهن والأخذ برأيهن مثل ماحدث فى الحديبية مع السيدة أم المؤمنين أم سلمة...وما مواقف السيدة خديجة فى بداية عهد الرسالة منا ببعيد..بل ستظل أبد الدهر سراجاً ونبراساً وفخراً للمرأة أنها تنتمي لجنس انتمت إليه سيدة مثل خديجة بنت خويلد رضي الله عنها..وليست السيدة خديجة فحسب بل هناك عشرات الأمثلة لنساء الصحابة اللواتى كن من صاحبات العقول الراجحة المتميزة مثل أمهات المؤمنين خاصة السيدة عائشة الصديقة بنت الصديق راوية الحديث الفقيهة والصحابية السيدة نسيبة بنت كعب أم عمارة المنافحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أحد والسيدة أسماء بنت زيد خطيبة النساء والشفاء بنت عمرو التميمي التى يقال أن سيدنا عمر بن الخطاب استعان بها فى الحسبة فى السوق والسيدة خولة بنت حكيم التى جادلت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى زوجها وسمعها الله من فوق سبع سموات وانتصر لها..وغيرهن كثيرات وكثيرات لايتسع المجال لذكرهن مع فضلهن وعظمتهن.

ولعل المشكلة الأساس التى يواجهها الخطاب الدعوي للمرأة هى عدم مراعاته للتدرج الذى أصبح الآن ضرورة من ضرورات الولوج إلى عوالم المرأة..فالمرأة التى تعلمت وشاركت فى الحياة السياسية والعلمية والثقافية والمجتمعية تحتاج إلى أكثر من (الوعظ) الذى يبكى عينيها وينتهى أثره بمجرد خروجها إلى واقع الحياة واستسلامها لعنكبوتية خيوطها المتشابكة والمتناحرة الذى يشعرها أنها عدة كيانات منفصلة لاتستطيع التركيز فى نقطة واحدة أو على قضية بعينها..إن وسائل الإعلام التى أصبحت اليوم حقيقة لا مهرب منها ولاسبيل إلى تجنبها اصبحت تلاحقنا صباح مساء بنشراتها ومعلوماتها وحواراتها مما تسبب –رغم التغييب والتغريب- فى تطور كثير من المهارات الثقافية لدى المرأة من الأميّة إلى التى تحمل أعلى الشهادات الدراسية ومن ثم فهى فى حاجة لما يروى عطشها للعلم والمعرفة والثقافة والدين بطريقة واعية راشدة تشعرها أنها ليست طفلة تكتفى بالحكايا والقصص التى تنال منها العبر وتجنى منها التجارب بل هى عقل يتفهم له خلفية ثقافية تستطيع استيعاب العلم الشرعي والمجتمعي وفهمه وإسقاطه على الواقع بطريقة صحيحة تسهم فى تقدم المجتمع ككل..ومن ثم فى تربية جيل يعرف ماهية الدين وأهميته ومكانته فى الحياة فلا هو ذلك المهمش الذى يظل مؤطراً داخل عبادات الجوارح دون حركة الحياة ولا هو ذلك الموقف لمسيرتها أو العقبة فى سبيل تقدمها وتفاعلها مع بقية الحضارات الأخرى دون إفراط أو تفريط..

إننا نعاني من التطرف بشتى صوره..إما التطرف فى استخدام الدين كسيف نقطع به رقاب المخالفين أو التطرف فى التعامل مع الدين على أنه جزئية صغيرة فى حياتنا مكانها القلب ولامحل لها غيره..والدين ليس هذا ولاذاك..فالدين هو ماعلمناه رب العزة حين قال لرسوله الكريم فى كتابه العزيز:

{قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }الأنعام162

ولكى تصل المرأة المسلمة العصرية إلى دينها بطريقة صحيحة يجب أن تدرس حالتها جيداً ونقصد بحالتها ثقافتها..اهتماماتها..مستواها الاجتماعي..بيئتها..مواهبها ومهاراتها..نقاط ضعفها هى ومجتمعها..وبناءاً على تلك الدراسة يتم استخدام مايسمى بـ(تدرج الدعوة) وهو الذى يعنى تقديم الخطاب الدعوى لكل فئة على حدة بالشكل الذى تحب وتستطيع استيعابه والإفادة والاستفادة منه..وربما يرى البعض أن هذا الأمر ليس سهلاً لكنى ربما أختلف معه فى الرأى ..فالعاملون والعاملات فى حقل الدعوة عندما يعدون للقاءات دعوية يجب أن يكون لقاؤهم هذا مدروساً منذ البداية لا عشوائياً اللهم إلا إن كان هذا اللقاء غير مرتب له أو فى مكان لا يستطاع فيه تمييز مستويات المدعوات وخلفياتهن.. لكن حتى فى هذه الحالة يمكن تنويع الدعوة بحيث توافق كل تلك المستويات وتخاطب كل العقول الموجودة بشكل يرضيها جميعاً ولايزيدها نفوراً وإعراضاً.

إن الكثير من التوجهات الأخرى غير الإسلامية تعمل على اجتذاب المرأة المسلمة المثقفة بمختلف الوسائل التى من أولها احترام عقلها وتفكيرها وتغازلهما بكل طريقة ممكنة لتكسبها إلى صفها والدعوة أولى بهذا الجذب لهذه الفئة بالذات من النساء لأن تلك الفئة إن صلحت صلحت بنية أسرتها وبيئتها المحيطة..وإن انفلتت وانضمت إلى المعسكر المضاد المحارب أو المهمش والمغيب للفكر الإسلامي خسرت الدعوة الكثير وظلت تحارب طواحين الهواء في زمن لم يعد يعترف بالتخلف وأهله وطواحين هوائه.
[/FRAME]
السيد عبد الرازق غير متصل   الرد مع إقتباس