عرض مشاركة مفردة
قديم 08-11-2009, 08:26 PM   #482
المشرقي الإسلامي
أحمد محمد راشد
 
الصورة الرمزية لـ المشرقي الإسلامي
 
تاريخ التّسجيل: Nov 2003
الإقامة: مصر
المشاركات: 3,808
إفتراضي

لا أذكر سوى أرض ٍ
لطـّختها الكائنات الغريبة
بالأحمر،الأزرق والأصفر
وضاع الأبيض، ما بين الألوان
لا أذكر سوى قومٍ
تبرز هذه الخيبة بأروع أشكالها إن كان ثمة روعة للخيبة إذ يجيب المواطن العربي (لا أذكر سوى أرضٍ لطختها الكائنات الغريبة)
وتأتي هذه الكائنات الغريبة عبارة ساخرة تكرّس هذا الغرب وانتفائه عن مفاهيم الآدمية كما أنها قد تعبر من منظور آخر عن هذا الإنسان
العربي المهزوم الذي يرى في الغرب كائنات غريبة. ويستمر المبدع العزيز في هذا الطرح الفكري لقضايا العربي والآخر والتشكيل الفكري للشخصية العربية من خلال العبارة الأشد عنفًا والأكثف دلالة والأوجع تأثيرًا في النفس:
قومٍ ...
لازالوا ينظرون إلى السماء
ينتظرون الكائنات المهديّة
يُصلّون
يستسقون أمطار الذهب والفضة
وهنا نجد الموقف الفكري متكاملاً لدى مبدعنا العزيز إذ يرى هؤلاء الذين يستجدون القمر ، من غير المستعبد عليهم استسقاء أمطار الذهب والفضة . إنه عمل في غاية الروعة والإتقان
ينعي المبدع فيه هذا التخاذل والبعد عن أسباب الحضارة والنهضة.وإلى هنا تكون قد انتهت رحلة الإنسان العربي التي ابتدأت بتجافي الشواطئ عن السفن ومرت بخيبة على سطح القمر ليعود مرةأخرى في شكل (قوم) تعبيرًا عن البداوة والشكل الأكثر سيطرة على التصورات الذهنية الغربية.
وملاحظة أخيرة يجب لفت الانتباه إليها قبل الانتقال إلى الجزء الثاني من النص وهي ذلك الاستخدام للأداة (لا) ست أو سبع مرات في هذا العدد القليل من الأسطر وكلها نفي دون نهي.
لا أذكر(2) ، لا أدري(2) ، لا زالوا(2) ، لا أراه(1) مما يعطي الإيحاء بالإفلاس التام وهذه اللاءات لم تأت اعتباطًا بل أكدت معنى الإفلاس ونفي أية احتمالية أمل .
***
وبعد هذا القدر الكبير من الإدانة للمجتمع والطرح العقلاني المتمثل في الاستعارات والخيالات نجد كاتبنا يهدئ من إيقاع العمل الرائع وذلك في أول المقطع الثاني :
كعادتها
هذه العبارة التي يسخر فيها الكاتب العظيم من حال أمتنا المرير والتي يتفنن فيها المفتنون بالكتابة عن البحر والشعر ويدين فيها المثقفين المتحدثين من أبراجهم العاجية إذ يصور نفسه واحدًا من هؤلاء الذين يدينهم وليصور نسيان الإنسان العربي قضاياه في ثوان معدودات حينما يبدأ اللكمة الناعمة ، نعم وليست الكلمة بعبارته كعادتها إذ هو في ذلك يعبر عن جانب من مسلمات الحياة . هذه المسلّمة هي هذا الترف الفكري والانعزال عن الواقع والمثالية الرومانسية :
تـَهم بى الكلمات
تـُراودنى عَن قلمى
لنرقص سوياً فى عرض البحر
على تفعيلةٍ جميلةٍ
وهو إذ يعطيك هذه التعبيرات لَيوجه إليك رسالة مفادها أنه هو الآخر قادر على الكتابة الرومانسية لكنه لسبب أخلاقي يمتنع عن ذلك ،وليس يدين الواقع لعجزه عن الرومانسية ، وتتبدى رومانسيته التي يثبت لك وجودها لديه ولكنه لا يحبها عنوانًا لحياته من خلال التعبيرين
تهم بي الكلمات ، تراودني عن قلمي
وهذان التعبيران يتسمان بالتجسيد للكلمات والقلم كأنهما من جنس البشر عادي في الوقت الذي اتسم التعبيران بتكامل البيئة التشبيهية فالهمّ للأنثى (الكلمات ) والمراودة للقلم (الذكر) . ولعل المبدع حينئذ يدين الواقع العربي بشكل غير مباشر في أن مبدعيه قد شغلتهم الشهوة حتى انعكست على ما يكتبونه فيتخذون من لغة المراودة والرقص والهمّ أداة للتعبير عما بدواخلهم .
كذلك التفعيلة والبحر فيهما نفس الأداة ، المراعاة للنظير.
وهذه الرومانسية التي يدينها وربما يتخذ من نفسه نموذجًا يتحدث عنه حتى لا يُتهم بالنظر لعيوب غيره وترك عيوبه تبلغ سخريتها شأوًا مديدًا في هذه العبارة :
يُريد قلمى أن يخطو... كما يشاء
إلى أن يشاء الله
ذلك القلم يخطو كما يشاء طالما أن خطواته رقص ، كذلك الإنسان العربي يُترك كما شاء طالما أنه ذاهب إلى غير نفع!
__________________
هذا هو رأيي الشخصي المتواضع وسبحان من تفرد بالكمال

***
تهانينا للأحرار أحفاد المختار




المشرقي الإسلامي غير متصل   الرد مع إقتباس