الموضوع: ثقب في بئر
عرض مشاركة مفردة
قديم 12-10-2010, 12:14 PM   #5
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,386
إفتراضي

(13)

أنهت اللجنة المكلفة باستضافة خبراء التقنيات الزراعية العلمية ترتيبات حفل عشاء في أحد الأندية المرتبطة بمؤسسات الدولة، وقد تم تزويد المسئول الأمني في النادي بأسماء المدعوين، وضرورة الاهتمام والاستجابة لطلبات القائمين على الحفل، مهما كان نوعها، خصوصاً أن هناك من بين المدعوين بعض الخبراء الهولنديين من شركة (وولف آند وولف) والبريطانيين من شركة (إيست مالنغ نورتن)، وبعض خبراء منظمة الأمم المتحدة للزراعة والغذاء (fao).

وصل المدعوون قبل غروب الشمس بأكثر من نصف ساعة، وكانت المناضد تتسع لثلاثين من المدعوين، تم ترتيبها بحيث يستطيع من كان يجلس على أي مقعد أن يستمع لما يقوله غيره.

انفرد (أبو غسان) بعيداً عدة خطوات، ليصلي العصر، في حين لم يكتمل الحديث في الطرقات بين المدعوين، الذين كانوا يخطون بعض الخطوات ويتوقفون قليلاً ليتكلموا عن جمال المكان المُطل على النهر، والاخضرار الواضح في مُسطحات النجيل والأزهار والأشجار المُنسقة بشكل جيد.

كان الخدم المتأنقون كأنهم في استعراضٍ أمام لجنة لرفع درجة تأهيل المطعم والمكان، يقفون بانتظار المدعوين ليسحبوا مقاعدهم تهيئة لجلوسهم.

أشار غانم باحترامٍ مبالغٍ للبريطانيين الاثنين والهولنديين الاثنين ليجلسوا في أماكن اعتقد هو أنها الأكثر وجاهةً، رغم تشابه المقاعد والمناضد، وعندها سارع نادلان من الخدم المخصصين لسحب كراسيهم بلطف ليجلس الضيوف عليها، واحتاط غانم أن يترك مكاناً لأبي غسان كونه الممثل الإقليمي لمنظمة الزراعة والغذاء التابعة للأمم المتحدة.

انطلق مجموعة من طباخي النادي، بعيداً أكثر من عشرين خطوة وبجانب النهر تقريباً، حيث يوضع حوض سيراميك مملوء بالماء، وتتحرك فيه أسماك وزنها بين ثلاثة وخمسة كيلوغرامات، لعمل (المسقوف)، فأوقدوا قطع الحطب التي كانت مُعدة سلفاً، كما قام غيرهم بتحضير (مناقل) الشواء للحوم.

تفحص أحد الإنجليزيين ترتيب الكؤوس والملاعق والشُوَك والفُوَط، فأدرك أن تلك الطقوس مستحدثة، وأنها تنقصها العراقة التي تتلاءم معها.

(14)

رحب غانم بالجميع، وابتدأ بالضيوف الأجانب بلغة إنجليزية سريعة كأن منَ لفظها بنغالي أقام في بريطانيا مدة غير كافية، ثم قام بوضع الفوطة على ركبتيه إيذاناً ببدء الآخرين لوضع فوطهم. فهم مجموعة من الجالسين تلك الإشارة، في حين قلد البعض الآخر هؤلاء، وتجاهلت مجموعة الالتزام بتلك الحركة.

طاف نادلٌ على المدعوين مبتدءاً بالضيوف الأجانب، ليصب لهم في كؤوسهم من قارورة ويسكي لفَّها بقطعة قماش، ويتفقد إشارة غانم بين الحين والآخر، فسكب للأجانب الأربعة، ثم لأبي غسان، ثم وضع معظم الموجودين أيديهم على صدورهم اعتذاراً عن عدم رغبتهم باحتساء المشروب.

التفت غانم الى أبي غسان، وذكره بأنه قبل الغروب قد صلى صلاة العصر. ضم أبو غسان تلك الملاحظة، وأجاب أنه إذا كان الخمر حراماً، فإن ترك الفرض حرامٌ أكثر.

لم ينتظر أبو غسان كثيراً ليرد على ملاحظة المدير المحرجة، فاستعدل في جلسته ثم قال: أحياناً كنت أتساءل: ماذا لو أُلغيَّت وزارات الزراعة في الدول العربية، ماذا سيحل بالزراعة في هذه البلاد؟، يصمت قليلاً ويجيب: لا شيء!

كان أبو غسان يتكلم بحرية وثقة عاليتين أثارت استغراب الجميع، ولم يخمن أحدهم أنه كان قبل أكثر من عشرة سنين لاجئاً سياسياً مع وزير الزراعة الذي يأتمر بأمره هذا المدير، رغم أنه من بلد عربي آخر، ثم أنه لا يتبع للوزير بل يتبع لإدارات الأمم المتحدة.

ضحك الأجانب الأربعة، بعد أن تُرجمت لهم ملاحظة أبي غسان، وتجرأ أحد الإنجليز للتساؤل عن إعدام وزير الري وخمسة من كبار مهندسي وزارة الري؟

كانت ملاحظة أبي غسان كافية لجعل غانم يحس بالحرج، والآن جاء تساؤل هذا الإنجليزي، لتجعل حرجه في قمته، حاول التظاهر بأنه سيتفقد الطهاة، لكن أبو غسان أشار إليه بالبقاء منصتاً بشكل جيد.

تكلم أبو غسان بلغة إنجليزية واضحة دون تلعثم، فقال: لقد كان هذا الوزير وزيراً للري لأربعة عهود متعاقبة، وكان مرتبطاً بحكومتكم البريطانية لإعاقة تنفيذ مشروع سد (أبو ماريِّا)، وكان هو ومهندسوه قد تفننوا بمماطلة الحكومة مراهنين على انقلابٍ يحدث دون البدء بالمشروع، وعندما تشككت هذه الحكومة بسلوكه، وضعته تحت المراقبة، فاكتشفت دوره ومن معه بكل التفاصيل التي تدينه.

وهذه الحكومة هي نفسها التي سحبت قبل شهور، شهادات خمسة من كبار المهندسين الزراعيين، الذين كانوا وراء استيراد نصف مليون شتلة (سان جوليان a) من إسبانيا لتطعيم الخوخ عليها، بعد أن اكتشفت أن تلك الأصول مصابة ب (النيماتودا).

تدخل أحد الهولنديين: هذا كثير وفيه خشونة واستخفاف بحقوق الإنسان..
رد أبو غسان: أو ليس إدخال مثل تلك الأمراض السارية هو استخفاف بلقمة الإنسان وغذاءه وهي من أهم حقوق الإنسان؟

بادر غانم بالطلب من الأجانب للقيام لمشاهدة كيف تحضير المسقوف والمشاوي بالطريقة المحلية، فهم الأجانب تلك الحيلة ووافقوا للقيام بمشاهدة تحضير الطعام.

(15)

عندما سمع عبد الكريم ما دار من نقاش، شكر الله كثيراً أنه لم يغامر ويطلب كأساً من الويسكي، أو زجاجة بيرة، فكيف له أن يتيقن أن مثل تلك اللقاءات لا تكون مخصصة لكشف العورات الداخلية للموظفين، صحيح أنه كان يتناول المشروب في اليابان عندما كان بدورة تقنية هناك، وصحيح أنه كان يعاشر النساء، وصحيح أنه كان يفعل ما يخجل فعله أمام الآخرين في بلده، لكنه لا يدري إن كان ما يفعله لا يسبب له سحب شهادته كالذين استوردوا أصول الخوخ من أسبانيا.

اقترح أبو غسان أن يقرب المدعوون مقاعدهم من مكان الشوي، لتناول طعامهم وهو ساخن جداً، فهذه الطريقة ألذ وأكثر شعبية.

فرح الكثير ممن كانوا لا يتقنون تناول الطعام بالشوكة والسكين وتحت مرأى الجميع، فبادروا لحمل مقاعدهم قبل أن يتدخل الخدم في ذلك، وأعادوا ترتيب مقاعدهم بالقرب ممن يطمئنون لهم في كل شيء!
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس