عرض مشاركة مفردة
قديم 12-06-2014, 11:28 AM   #11
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

التدبير بالمعرفة


في العقد الأخير من القرن العشرين، لفت انتباهنا ـ كعرب ـ من خلال تجوالنا ظاهرةٌ لم نرها في بلادنا، ففي أنقرة مثلاً طلبت غرفة التجارة منا مبلغاً لقاء إعطائنا عناوين شركات تفيدنا في أمور تخص ما ذهبنا من أجله. وفي مودينا الإيطالية والتي تسمى بمدينة المحركات (سيارات فيراري، بوغاتي الخ)، أطلعنا أحد معارفنا اللبنانيين على مكتبه وطبيعة عمله، فمكتبه الذي قال أنه كلفه قرابة مليون دولار (هذا في 1991)، يتصل من خلال شاشات وأجهزة بكل المصانع المقامة على سُفن في المياه الدولية (لتتهرب من القوانين والضرائب وغيره)، فإن أردت سجائر (مالبورو مثلاً)، عرض لك كل المصانع العائمة في العالم وأي مصنع قريب عليك (البحر المتوسط، الأحمر) ليتم التسليم بوقت قياسي!

وفي مكتب بجوهانسبيرغ بجنوب إفريقيا، طلب منا الموظف 120 رند مقابل ستة أسئلة، وعندما استغربنا ـ كعرب ـ قال: إذن اذهبوا وابحثوا بأنفسكم، وستدفعون ضعف هذا المبلغ لقاء التوجه لأي عنوان غير مضمون، هذا إذا لم تتعرضوا خلال تجوالكم للسلب أو القتل.

(1)

في بلادنا، كما في كل بلدان العالم، يوجد من العقول والمهارات، والمواد والأماكن السياحية وغيرها الكثير، لكن تجد من صناع (أعواد العزف)، أو السجاد أو الشعراء، أو المحكمين في قضايا معينة، من هم في مرحلة العوز والجوع، لأنه لا يعرفهم أحد للوصول إليهم ليستفيد من خبراتهم ويفيدهم.


في مدن المعرفة المتطورة، أو حتى المبتدئة في طريقها لتكون مدن معرفة*1، تدون كل المعلومات عن كل شيء (مطاعم، فنادق، معامل، عمال مهرة، أو غير مهرة، عيادات طبية، خياطين، صالات أفراح، معارض للبيع الخ)، ويُعهد لمكاتب أو منظمات محلية، بالتنسيق مع من يهتم بتسويق سلعته، ومع من يطلب تلك السلعة، فيتم رفع الكفاءة التسويقية، والتي يترتب عليها رفع معدلات النمو الاقتصادي للمدينة، مما يخفف من معدلات البطالة ويضع البلاد في حالة توليف مستمرة لما يخدم اقتصادها.

سيقول قائل: هذه مهمة مكاتب الدلالة، وليس لها علاقة بالمعرفة. قد يكون هذا صحيحا، ولكنه ليس بعيداً عن نطاق موضوعنا، خصوصاً إذا ذهبنا لتجارب في هذا النطاق تتعلق بأكثر من منحى، ففي الصين وحسب رواية أحد أعضاء اتحاد الكرة، تم إطلاع الوفد على الكيفية التي يُعامل بها تلاميذ الابتدائية، إذ يأخذونهم من الصباح الباكر الى أحد المصانع أو المزارع ليشاركوا في عمل أشياء تتناسب مع أعمارهم، وبعد ست ساعات، يقدموا لهم وجبة طعام ويذهبوا للمدرسة، ليتم تدريسهم أو تفسير ما رأوه بالمصنع أو المزرعة، فبذلك يُربط بين المعرفة والواقع.

إذا كانت نمطية التحول المعرفي في الدول المتقدمة، قد وصلت الى ما وصلت إليه كنتيجة لبناء معرفي متراكم ومتسلسل كطبقات البناية، حيث لا يجوز أن نبدأ ببناء الطابق الرابع مثلاً، قبل الأول، فلا بُد أن نعرف أي الطبقات بناها العرب معرفياً، وأين توقفت، وكيف يمكن وصلها مع بعض دون انفلات من الأسس، ودون إبطاء في البحث عن تلك الأسس وكيفية توصيلها، وهي المشكلة القائمة والتي يسميها البعض (مشكلة التراث والحداثة).

(2)

المعرفة في اللغة: آتية من الجذر (عَرَفَ)، وهو عكس نكر، وهو كل شيء عُلِم وبان، وورد في التنزيل الكريم أكثر من عشرين مرة، ومن اشتقاقاتها العُرف (عرف الديك)، وهو أكثر جزء عالٍ وبيّن، ومنها الأعراف (سورة في القرآن) تذكر المكان المرتفع بين أهل الجنة وأهل النار، ومنها المعروف، وهو ما اتفق عليه وبان بين الناس على أنه أمر مستحسن، وهو عكس المنكر..

وفي الحديث الشريف قال صلوات الله عليه: (( العلم خزائن، ومفاتيحها السؤال فاسألوا يرحمكم الله، فإنه يؤجر فيه أربعةٌ: السائل والمعلِّم والمستمع والرابع المحب لهم))، وفي حديث آخر ((العلم قِفل مفتاحه المعرفة)).

وقال أرسطو: (العلم يبدأ بالاستغراب، والاستغراب في المطلق سؤالٌ ينتظر جواباً، يشفي غليل المستغرب).

والمعرفة في علوم القرآن والحديث عند المسلمين والعرب، هي أدنى درجة من العلم، لأن العلم من صفات الخالق، فهو العالم والعليم. نقول في اللغة فلان يعرف الله ولا نقول الله يعرف، بل نقول الله يعلم. والحكمة هي درجة تفوق المعرفة وتقترب من العلم فنقول الله حكيم والله عليم، فلذلك، مَيَّز الفقهاء والعلماء المسلمون بين علم الله وحكمته وبين العلم والحكمة الإنسانية، ويعرف الأصفهاني المعرفة بقوله: هي إدراك الشيء وتدبر لأثره*2

وإن كان هناك تعريف مقبولا للمعرفة، فهي مجموعة الخبرات والمهارات المكتسبة نظرياً أو من خلال التجارب العملية للفرد أو من خلال الاطلاع على تجارب الآخرين.

ومجالات المعرفة كثيرة، فهي تعني بالدين والسياسة والثقافة والاقتصاد والفنون والتأمل والفلسفة وغيرها من مناحي الحياة.

(3)


تُنتَج المعرفة، من تراكم جهود في مختلف المجالات، وكل جهدٍ يرتبط بما سبقه وأسس له، وحسب (كروبسكايا) صاحبة مصطلح (نتوء المعرفة)*3، حيث تقول أن هناك نتوءات توضع مع ولادة الإنسان، كالاسم والدين والطائفة والانتساب للمكان والقرابة، وهناك نتوءات تحدث بفعل طارئ حاد، كتعرض الطفل أو الناشئ لحادث لن ينساه مدى الحياة، وهناك نوع من النتوءات تُنتج على مهل بالتعليم والتجربة، فلا يستطيع مثلاً، مسّاح امتهن المساحة، أن يتابع كتاباً في اللغة للثعالبي أو سيبويه، لأنه لم يرتبط بنتوءات مؤسسة سابقة، حتى لو أهدي له الكتاب، فما أن يفتحه حتى تحل الرغبة بتركه على الفور بعد تثاؤب وملل.

والمعرفة، بماذا؟ وبمن؟ ولماذا؟ أسئلة تُطرح أمام الفرد، والمجتمع، ونرى أن أصحاب المعرفة ومنتجيها يخدمون السلطات، ويكرسون في بلادنا معرفتهم لخدمة بقاء النظام السياسي ويتذرعون بالأمن، ولكن لا يقولوا أمن مَن؟ وهو في الحقيقة أمن النظام.

(4)

وكما أن المعرفة مفيدة في كثير من الأحيان، ولكنها قد تكون شراً مُضرا للبشرية، فتقنيات صناعة المخدرات والأسلحة الفتاكة المدمرة، ورفع درجة حرارة الأرض كلها نماذج من مضرة المعرفة والعلم الإنساني غير النافع.

وأحياناً، تكون المعرفة هدفاً للحروب، حيث تكون حجب المعرفة أو طمسها من مجتمع أو أمة أو بلاد، هدفاً شريراً آخراً، فهولاكو وبوش وغيرهم استهدفوا إتلاف الكتب وسرقة الآثار وغيرها، وما رأيناه في مصر إثر الاضطرابات فيها، حيث توجهت أيادي متربصة لسرقة المتاحف.

وأن التفاخر بالمعرفة، يأتي ليصب في خدمة الأهداف الشريرة، وما قاله (توماس فريدمان) عن العرب، بأنهم أمة لا تساهم في إنتاج المعرفة البشرية، كأمم الغرب والهند والصين، وذلك لأنهم (أي العرب) أمة منغلقة لا تقرأ ولا تساهم في براءة الاختراعات*4، والهدف واضح من قوله، وهو ليصل للعربي في النهاية ليحس بأنه شخص عبثي دوني لا يجدر به إلا أن يخضع لغيره.






هوامش

*1ـ مدن المعرفة: المداخل والخبرات والرؤى/فرانشيسكو خافيير كاريللو/ ترجمة: خالد علي يوسف/ الكويت: عالم المعرفة 2011
*2ـ المفردات في غريب القرآن/ الراغب الأصفهاني، راجعه وقدم له: وائل أحمد عبد الرحمن/ المكتبة التوفيقية صفحة 334
*3ـ كروبسكايا (زوجة لينين)/ تكنيك القراءة والثقافة/ كراسة سوفييتية قديمة مترجمة للعربية.
*4ـ وردت تصريحات (توماس فريدمان) في كتاب (آفاق العصر الأمريكي) لصاحبه: جمال سند السويدي.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس