عرض مشاركة مفردة
قديم 01-12-2014, 02:54 PM   #6
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

وجبة حافظة


في علوم تغذية الحيوان، هناك عدة أسماء لعلائق التغذية، إنتاجية حيث تنتج الحليب أو اللحم أو العمل، وأخرى لرعاية الجنين، وهناك عليقة حافظة أي تبقي الحيوان على ما هو لا يُرادُ منه حليباً ولا لحماً ولا يُراد له أن يموت! وبالطبع فإن حساب عليقة بقرة تحلب عشرين لتراً من الحليب وفي بطنها جنين عمره خمسة أشهر، فعلى حاسب برنامج التغذية أن يبدأ بالعليقة الحافظة ثم في احتياج البقرة من الغذاء لإنتاج الحليب ثم حاجة الجنين فيقدمها جميعا.

قد تكون الفروق بين تغذية الحيوان وتغذية الإنسان تميل لصالح الحيوان على الإنسان، وليس السبب هو دوافع (الرفق بالحيوان)، بل لأن المصلحة واضحة وضوح الشمس، فإذا كانت وحدة العلف ثمنها دولار واحد، فإذا أعطي عشر وحدات منها أعطت حليبا بخمسة عشر دولارا، فلماذا يتردد المُربي في تقديم مثل ذلك العلف؟

لكن أين وضوح المصلحة في حالة الإنسان؟ دعنا من شعارات الاستهلاك الإعلامي: الإنسان أغلى ما نملك! وحقوق الإنسان! وغيرها من الكاليشهات الصماء، فكل الإشارات المحلية والعربية والعالمية تدلل على أن العالم يمارس ضد هذه الشعارات ويسعى لتعميق تلك (الضدية).

(1)

في المطاعم الفخمة، يستمع الزبون (الفخم) لموسيقى مبتكرة لتلاءم الأجواء، وينحني النادل مقدما قائمة مطوية في حافظة جلدية أنيقة، تُعلن عن الموجودات في المطعم (غب الطلب)، ولكن إذا أراد الزبون (الفخم) (حليب العصافير)، فإن عليه أن يهمس بإذن النادل لينحني النادل مرة أخرى ويقول: نعم سيدي، هذا ممكن!

في المعتقلات السياسية والسجون بشكل عام، فإن اللحم المقدم يحمل من اللحم فكرته، ولا أحد يدري متى ذُبح الحيوان المقدم لحمه، هل كان ذلك قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية أم بعدها؟ وما هو الحيوان المذبوح أصلاً، هل هو عجل أم كركدن أم ماذا؟ لقد وقعت عيني ذاك يوم عندما اضطر المعتقلون إدخالنا من باب خلفي (يمر على المطبخ)، على فخذ قطره يفوق سعة بطن أي ثور رأيته في حياتي.

إذا كانت تغذية الحيوانات تحكمها المصلحة، وتغذية المعتقلين تحكمها معايير مختلفة، لكنها ليست بعيدة في أي حال عن مصلحة النظام، فتغذية الشعب ماذا يحكمها من معايير؟

(2)

لا يقوم السجين السياسي أو غيره بتسديد أثمان الوجبات المقدمة إليه مهما كانت نوعيتها، إلا في حالات المساجين الاستثنائيين، ولا تقوم البقرة بتسديد ثمن العليقة العلفية، حتى لو نفقت (ماتت)، قبل أن تعطي لترا واحدا من الحليب، ولن يُسجل ذلك على ورثتها!


المواطن أحد أفراد (الجمهور)، ليس ذلك الذي يذهب الى المطاعم الفخمة، وليس هو بالمعتقل السياسي، ولم يعترف أحدٌ به أن له دور يفوق دور البقرة الحلوب، هو الوحيد (فائن الحظ، قليل البخت) الذي يعاني معاناة شديدة، فحتى الحد الأدنى لا يمكنه الحصول عليه، هو يعرف الحد الأدنى وحتى الحد الأعلى فالتلفزيونات ولوحات الدعاية في الشوارع والمجلات الموضوعة على مناضد الحلاقين وأطباء الأسنان، أطلعته على مكونات الحد الأعلى!

هو يحلم، باقتناء بعض ما عرفه أو رآه أو سمع عنه، أو أنه يحلم بأن يتذوقه يوما ما، لكن أحلامه تلك، كمن وجد صندوقاً به مائة كتاب عن الطبخ الصيني، وعندما أراد تطبيقها في مطبخه، لم يجد إلا بعض كسرات خبز وبصلة وقليل من الملح، فلم تشفع له الكتب شيئاً.

(3)

لن يموتوا جوعاً! سيقول ذلك أحد المسئولين، أو أحد الذين يكرهون مثل تلك الأحاديث، وإن حاصرته بالأسئلة: كيف سيدبرون أمورهم ولا رواتب مستقرة لهم؟ وحتى لو كانت لهم رواتب، ألا ترى كيف سيعلمون أبنائهم وكيف سيرعون صحتهم وكيف سيدفعون أجور بيوتهم ومئات الكيف؟

سيجيبك: ومن قال لهم أن يتزوجوا؟ ومن قال لهم أن يتكاثروا بتلك الكيفية؟ ومن قال لك أنه من الضروري تعليم أولادهم وعلاجهم! ثم إنهم يسرقون ويمارسون عادات سيئة ويدبرون أمورهم! سيجدون وجبة حافظة (هو لا يريد أن يقول عليقة حافظة، لأسباب إنسانية!).

إن الثلة القليلة التي تُشرع للأغلبية الساحقة، كانت لفترة واثقة من نفاذ سيادتها الأزلية على مقدرات الأغلبية الساحقة، ولكنها على ما يبدو ليست متأكدة من ذلك في هذه الأيام في كل بقاع العالم.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس