عرض مشاركة مفردة
قديم 10-09-2009, 06:22 PM   #4
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,366
إفتراضي

المجتمع المدني والمصلحة العامة Res Publica))

قبل أن ندخل في صلب الموضوع، دعنا نمر على ما أومأ إليه المترجمان حول Res Publica))، أي المصلحة العامة، ف Res باللاتينية تعني: شيء أو شأن أو مسألة، و Publica تعني عام. فيصبح المصطلح: الشأن العام أو الصالح العام، ويستخدم للإشارة إلى أي شيء يقع خارج حدود أي ملكية خاصة. فهو ملك للجميع، وبهذا المعنى يكون مساوياً للدولة. فالدولة ليست شيئا خاصاً، إنما هي مُلك للجميع.

(1)

انشغل الفلاسفة والسياسيون في اليونان في وضع أسس لطبيعة تحرك الإنسان، حتى يربطوا تلك الطبيعة بما يتعلق بشكل الحكم وشرعيته الذي سينظم أمور الأفراد. فمنهم من رأى أن الناس ولدوا مفطورين على الحياة الجماعية العاقلة، التي تتلقى كل نفس أوامرها ونواهيها من عقلها، والذي يتشابه الى حد كبير مع عقول الآخرين، وبالتالي فإن الناظم العام لكل الناس سيكون العقل العام الذي يصدر قوانينه وتعليماته ممثلاً بالدولة التي تكفل مصالح مواطنيها.

لقد كان هؤلاء الفلاسفة وعلى رأسهم (أرسطو) يراهنون على أن الناس قادرون على حكم أنفسهم من خلال تفويض من يمثل الجماعة، ويتلاءم مع ما يصبو إليه الأفراد.

في حين، دخل الشك نفوس الآخرين في تحقيق تلك النظرة المتفائلة، وحل محلها نظرة تدعو الإنسان الى الاهتمام بنفسه واختلطت تلك الدعوات بالجانب الديني، حتى تتحقق سعادة الفرد واستقلاليته، أي أنها كانت دعوة للعزلة وعدم النزوع للاجتماع، والحذر من مفاجئات الآخرين.

(2)

اتخذ الهجوم على فكرة الجماعة السياسية التي بشر بها أرسطو، صورة (فلسفة السخط)، والاعتماد على الذات، والانكفاء، وحل الاكتفاء الذاتي والأصالة محل المواطنة والعمل المشترك. ومن هؤلاء الساخطين (أبيقور 341 ـ 270 ق م) الذي أعلن أن ((الطبيعة العمياء لا يمكنها أن توجه السلوك الإنساني.. لا يمكن للبشر أن يحيوا حياة طبيعية إلا إذا حرروا أنفسهم من الخرافات والأوهام.. والرغبة الفردية في السعادة هي المرتكز الموثوق الوحيد في عالم فوضوي لا يكترث لشيء)).

بعد تلك الموجة من السخط على السياسة اليونانية القديمة، لم يعد بعدها، المجتمع المدني (القديم طبعا) بالإضافة للسياسة مصدرين للتطور الأخلاقي. ولم تعد الذات الفردية تلقى نفسها في النشاط المشترك!

(3)

يتكون المجتمع المدني من ذرات منعزلة لا توفر تفاعلاتها المتقلبة أساساً طبيعيا للارتباط. وإن العلاقات العامة المتشابكة كلها إنما هي علاقات عرفية أصلاً، ولا يمكن تسويغها إلا إذا كانت مهمتها (تسكين ألم).

لكن، يذهب المدافعون عن المجتمع المدني، الى أن السعادة التي يراها الساخطون على السياسة وعلى المجتمع المدني، ممكن أن تتحقق بالانعزال والابتعاد عن مشاركة الناس حياتهم (همومهم وأفراحهم)، هي مقولة خاطئة، فلو اعتزل كل الناس (ليصبح قانون الاعتزال عاما) ويحل محل الدولة والسياسة والمجتمع المدني، فإنه من السهل أن تبرز على الناس قوى متجمعة صغيرة تسلبهم راحتهم وشرفهم وكبريائهم ولن تجد من يدافع عنهم طالما أن كل فرد قد أحاط نفسه بعزلة.

(4)

أحس بعض (الرواقيين) من أعداء المجتمع المدني، أنه لا بد من المصالحة بين الاعتزال والاختلاط أو المشاركة العامة.

فهذا (سينيكا Seneca) يكيف عدائه المبكر للصلات الاجتماعية ويعترف بأن ((الخصوصية استدعت الحياة المشتركة وأن المجتمع المدني يمكن أن يتعزز بالانعزال)) ... (( يجب أن نعتزل داخل أنفسنا أكثر فأكثر، لأن العلاقة بأولئك الذين لهم ميول مختلفة تشيع الاضطراب وتوقظ الانفعالات الدنيئة والخسيسة، وتسبب القروح التي ما برحت واهنة في العقل ولم تُشف شفاءً تاماً.)) .. ((أما الاجتماع والانعزال فيجب أن يتمازجا ويتناوبا. سيولد الأول رغبتنا في لقاء الرجال، ويولد الأخير رغبتنا في أنفسنا، وسيكون أحدهما علاجاً للآخر: إذ ستبرئ العزلة كراهيتنا للناس، وسيبرئ الناس كراهيتنا للعزلة)).

إن هذا التحديث في موقف الرواقيين للمجتمع المدني الشامل والذي ينظمه العقل، يفترض مساواة أخلاقية أكثر سعة مما كان ممكنا في بيئة مقيدة لدولة المدينة.

(5)

ظهر في القرن الذي سبق ميلاد السيد المسيح عليه السلام، مَن حاول الإجابة عن تساؤلات كثيرة، أو من حاول رسم الصورة التي يجب أن تكون عليها الدولة ويكون عليها المجتمع المدني.

هل هي الطبيعة أم المنفعة؟ من يملي الشكل الذي سيقود الناس، هل هي توزيع اللذة والسعادة ـ كما ارتأى أبيقور ـ أم الصراع الطبيعي المحموم على المجد والسلطة؟ في الاحتمال الأخير تم اختزال السياسة الى اغتيال وزيف وسرقة وحرب، وأوشك الرأي (الفردي) الخاص والطموح والشهوة والرغبة على تدمير الحياة المتحضرة آنذاك.

من هناك انطلق النداء Res Publica))، أي إنقاذ المصلحة العامة، والتي تتجسد في جسد الدولة الديمقراطية البعيدة عن الفردية، وهناك يبرز دور المجتمع المدني.

(6)

كان (شيشرون المولود عام 106 ق م) أبرز من حاول إنقاذ الدولة والمجتمع المدني من أن يتحولان الى حالة من الفوضى. فيقول: إن المجتمع المدني متأصل في (روح اجتماعية) غرستها الطبيعة في البشر. فالناس الذين يحركهم استعدادهم الفطري على الاجتماع، ويقودهم العقل، منجذبون للارتباط بعضهم ببعض. ولكن العواطف الجميلة وحدها لا تكفي لتشييد صلة اجتماعية قوية ودائمة، فالمؤسسات ضرورية أيضاً.


يشير (شيشرون) الى أهمية الملكية الخاصة، فهي بنظره أساس الحياة العامة. فهي من جانب تحمي الفرد من طغيان الآخرين، وتمنع الفساد من أن ينخر جسم الدولة. كان شيشرون معارضا عنيداً لقانون زراعي يصادر كل الأراضي ويعيد تقسيمها على الفقراء، فهو يرى أن ذلك سيمس الخصوصية التي هي أساس (العزلة) والتي تصالحت مع الاجتماع ضمن علاقة يحترمها الطرفان.
لكن شيشرون، ضد الجشع والاستغلال أيضاً، فهو إن كان مع الملكية الخاصة وعدم المس بها، فإنه مع فقراء الشعب من استغلالهم من المالكين الكبار، وحتى يضمن تلك المعادلة لا بد من دولة المؤسسات أو دولة المجتمع المدني. لقد أغنى شيشرون الفكر السياسي كثيراً، عندما التزم جانب العدالة التي تضمنه وجود المؤسسات.

لقد فشل في النهاية (شيشرون) من المحافظة على الدولة (الجمهورية) من الانهيار، كما فشل في تحقيق العدالة، لأنه لم تتجه الجهود بصدق لبناء دولة المؤسسات والمجتمع المدني، ولم يجرِ تنزيه المصلحة العامة.

يتبع
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس