عرض مشاركة مفردة
قديم 14-11-2009, 08:36 AM   #7
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,366
إفتراضي

الانشقاقات المبكرة

على الرغم من المساومة غير الكاملة التي طرحها (توما الأكويني)، استمر النزوع الى تحويل السيادة السياسية (Regnum) من فرع للجماعة المسيحية الى هيئة جماعية مستقلة للدولة، وبقي هذا النزوع يجد عداءً مستحكماً في دعاوى (البابوات) بأنهم يجب أن يشرفوا على الجماعة بكاملها.

كانت أطروحة (مارسيليوس) التي رأت أن مصالح المجتمع كلها يمكن حصرها داخل حدود الدولة الدنيوية، هي المفجر الذي قلب الموازين من سلطة الكنيسة الى المصالحة مع الكنيسة ثم أخيرا الاستغناء عن الكنيسة.

لقد اقتنص (دانتي أليجيري Dante Alighieri) فكرة من مارسيليوس مفادها: وجوب استعادة السلام المدني الذي عطلته الكنيسة بتطفلها في الشؤون الإيطالية، وادعاء البابوات بالحصانة الكنسية إزاء سلطة الدولة. فقد اعتبر هذه التعديات على واجبات الميدان السياسي مسئولة عن تقويض التوازن الذي رسم حدود مجتمع مدني مسالم على نحو معقول.

(1)

لقد ركز (دانتي) على مسألة واحدة، اعتبرها أساساً لفكرة الحكم السياسي (الأرضي)، وهي حاجة الناس للسلام والسكينة والأمن. فإن تحقق لهم ذلك فإن عطائهم وإنتاجهم وحركتهم نحو التقدم ستزيد، وبعكسه فإنهم يبقون في حالة خوف وعدم اطمئنان على مشاريعهم وأموالهم وحياتهم.

لكن، من سيقدم لهم العون في تحقيق ذلك؟ يجيب دانتي: إنها الحكومة الواحدة (حكومة عالمية واحدة!) التي يجب أن تكون مفهومة، بمعنى أنها تحكم البشرية على أساس ما نشترك فيه جميعاً وأنها تقود الجميع نحو السلام بقانون عام.*1

وإن وجود إرادة واحدة توجه الجميع هو الشيء الوحيد الذي يضفي معنى على تنوع الغايات البشرية. ف (الملِك) يخدم الله لأنه هو فقط من يستطيع (حمل البشر على الخضوع لنظام واحد من القبول والرفض).

ما دام الإمبراطور والبابا يمثلان (نوعين مختلفين من السلطة) التي لا يمكن المساس بها، فإن السلطة الزمنية للإمبراطور تتنزل مباشرة من الله دون توسط الكنيسة*2.

لكن دانتي كان على معرفة بحدود محاججته، فهو يعلم أن الإمبراطور الكلي للعالم لا يستطيع الإلمام بكل تفاصيل الحياة في مختلف الأقاليم، فقال: (إنه ليس من الخطأ القول إن كل تنظيم لكل مدينة لا يمكن أن يأتي من الحكومة العالمية مباشرة، لأنه حتى القوانين البلدية تكون أحياناً قاصرة وبحاجة الى تعديلات مستمرة.

(2)

كان لدانتي خصوم ألداء، فقد واصل البابا (إنوسنت الثالث Innocent III) و (إنوسنت الرابع Innocent IV) الإعلاء من مقام السلطة البابوية وادعاء السلطة على مجالات الحياة الدنيوية.

لكن (المرسوم البابوي Unam Sanctum) الشهير الذي أصدره البابا (بونيفيس الثامن Boniface VIII) عام 1302م دفع بالنزاع الى أشد مراحله تطرفاً بالنسبة للسلطة البابوية. وكرد فعل على سعي (إدوارد الأول Edward I) ملك إنجلترا و (فيليب الجميل ملك فرنسا) لفرض ضريبة على أملاك الكنيسة، فأعلن البابا، أنه لا سلطة فوق الكنيسة إلا سلطة الله.

لم تمنع الاحتجاجات الكنسية، الملك الفرنسي (فيليب الجميل) من إرسال جنوده للقبض على البابا بونيفيس الثامن، ولكن الموت سبقهم إليه.

(3)

انتقل الصراع الى (الكرادلة) الذين انتخبوا بابا على الفور، وواصلوا صراعهم مع السلطة ليبدأ قرن من الزمان سمي ب (الأسر البابلي 1309ـ 1378)، وضعت خلالها نظريات من قبل الكنيسة انشق عليها الراهب الدومنيكاني (جون الباريسي Dominican John of Paris) الذي دافع عن السلطة المستقلة للإمبراطور.

حُسم النزاع أخيراً لصالح الدولة القومية، بسبب التطورات الاقتصادية والسياسية، التي أنحى (مارسيليوس البادوي) باللائمة على البابوية بسبب الفساد والحزازات الفئوية والعنف المستشري في شمال إيطاليا، وقال أن الكنيسة أضعف من أنها تستطيع التماشي مع تلك التطورات وتساهم في تنظيم المسائل الدنيوية الأخرى. وتوقع (مارسيليوس البادوي) نهاية تقاليد العصور الوسطى برمتها.

وقد ساهم كتاب (مدافع عن السلمDefensor Pacis )*3 الذي ألفه (مارسيليوس البادوي) في معالجة الشرور الناجمة عن تعديات البابوية في الميدانين الروحي والزمني، وعواقبها السيئة على السلم المدني.

وبدأ مارسيليوس البادوي بالحاجات الإنسانية الأهم وتطلع الى أن تنظم الدولة المجتمع المدني حتى يتمكن الناس من العيش المشترك بسلام.

(4)

مما جاء بكتاب (مدافع عن السلم): (( لا يمكن للمجتمعات المدنية بوصفها مجتمعات ذات روابط منظمة سياسياً وأكثر سعة من العائلة أن تصبح مجتمعات كاملة ومكتفية ذاتيا كما أرادها الله من دون وجود السلام. فالبشر يحيون نوعين من (الحيوات) الخيرة: الحياة الزمنية والكونية والحياة الأبدية السماوية والمجتمع المدني هو منزل الحياة الأولى، وهو يشمل المدى التام لحياتنا على الأرض. ولكونه وجد أصلاً من أجل الحياة، فإنه يتشكل من الفصل في النزاعات وحبس المخالفين ومعاقبتهم، وحماية ما هو مشترك، والإعلاء من قيمة عبادة الله وتمجيده. أما حياة الكنيسة فمتضمنة ومحددة بالمؤسسات السياسية لمجتمع مدني دنيوي)).

رفض (مارسيليوس البادوي) لوجود أي صلة بين عمل الدولة وعمل الكنيسة، ودعا الكنيسة الى الانشغال بالدراسات اللاهوتية، وترك الشأن السياسي والدنيوي لسلطة الحكومة.

انتهى الفصل الثاني (الصفحات 73ـ 119)


هوامش
*1ـ ليلاحظ القارئ الكريم، أن تلك الأرضية الفلسفية كانت ولا زالت تغلف الخطابات السياسية والأيديولوجية التي توجه الإمبراطوريات في توسعها، زاعمة أنها وحدها القادرة على القيام بذلك.. فالمعارك الإغريقية والرومانية والفتوحات الإسلامية والحروب الصليبية وحروب نابليون بونابرت وهتلر وبوش كلها تندرج تحت هذا المعنى.

*2ـ تعتبر هذه أول إشارة لتحدي (الهرمسية) التي سادت ردحا من الزمن ولا زالت جذورها قائمة في العالم. وهذه الظاهرة تكونت بعد موت نبي الله (إدريس) عليه السلام، حيث حار الناس بمن يكون إدريس(هرمس): هل هو الله أم ملك من الملائكة؟ فتم الاتفاق على أنه وكيل الله في الأرض، فكان شكل البابا في الفاتيكان أو في الكنيسة الأرثوذكسية أو القبطية ممثلاً لله في الأرض، وقد كان للمراجع الدينية (الشيعية) شكلاً قريباً من ذلك.

*3ـ كتاب فيلسوف إيطاليا (مارسيليوس البادوي)، وهو أحد الكتب الأساسية في النظرية السياسية خلال العصور الوسطى. كُتب في باريس بين عامي 1320 و 1324م انتقد فيه السياسة البابوية وبعد أن ذاعت شهرته هرب الى بافاريا الى بلاط الملك لويس الرابع. [ هذا من تهميش المؤلف].
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس