عرض مشاركة مفردة
قديم 03-12-2009, 10:32 AM   #8
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,366
إفتراضي

الفصل الثالث:

المجتمع المدني والانتقال الى الحداثة

الفضيلة والسلطة

إن الحقب الانتقالية ليست يسيرة على الإطلاق، والانتقال الى الحداثة ليس استثناء. فلقد أسفر انحلال الحياة الدينية، والسياسية، والاقتصادية في القرون الوسطى الى استشراء قدر عظيم من الفوضى والاضطراب، حال دون بلورة نظرية متسقة عن المجتمع المدني.

كان من الواضح أن المقولات القديمة لم تكن وافية، ولم تكن المقولات الجديدة قد برزت بعد، ولم يعد بالإمكان فهم المجتمع المدني بوصفه جماعة سياسية ودينية شاملة، ولكن البنى الاقتصادية والسياسية الحديثة كانت لا تزال في طفولتها الأولى. وكانت السلطة النامية للأسواق القومية والدول القومية تَطحَن لبعض الوقت بُنى الإقطاع التراتبية للمكانة والرتب والطبقات الاجتماعية قبل الهجوم المدمر الذي شنه عصر النهضة وحركة الإصلاح.

(1)

كانت مرحلة التحول تلك مشوبة بفسادٍ سياسي، جعلت من المفكرين في ذلك العصر أن يشغلوا عقلهم في الخلاص مما كانت الدولة تمر فيه، فقاد هذا الوضع (نيكولاي مكيافيللي) الى حسم العلاقة بين ما هو دنيوي وما هو ديني، ولكنه لم يستطع الخروج عن المقولات الجمهورية المألوفة.

إن اقتصاد السلطة الدنيوية الذي جاء به مكيافيللي، وحرية الضمير التي نادت بها حركة الإصلاح المدني استبقت نشوء مجتمع مدني منظم على أساس المصالح الخاصة. وأعلن (توماس هوبز) ميلاد فرد مصلحي جديد ينشط في مجتمع مدني تنظمه سلطة الدولة. وإن هي إلا مدة قصيرة حتى انهارت محاولة العصور الوسطى لفهم (الكنيسة والدولة) بوصفهما سلطتين تشريعيتين متكاملتين لجماعة مسيحية واحدة.

انتقد مكيافيللي تمركز السلطة في كل من الكنيسة والاستبداد الملكي على حساب نظام مركب من المؤسسات الوسيطة والأديرة والبرلمانات والمدن والأصناف الحرفية والطبقات الاجتماعية التي ميزت مشهد النظام الإقطاعي في أواخر عهده.

(2)

ركَزَ مؤلف الكتاب (جون إهرنبرغ) على أبرز ما تناوله كتاب (الأمير) لمكيافيللي، ومن يتمعن بالنقاط التي ركز عليها المؤلف، سيتعرف على حِراكٍ كان قائماً في تلك المجتمعات الآخذة بالتحول، لتقود في حراكها التوجهات السياسية لدى النُخب الأوروبية لما آلت إليه العلاقة بين الدين والدولة.

يقول مكيافيللي: إن النظام السياسي المتين يستند الى رضا السكان، ويستلزم احترام عاداتهم، واحترام أسس النظام الاجتماعي القائم. فالأمير (يجب أن لا يغير قوانينهم ولا ضرائبهم) وأن يحذر من التصرف غير المحتشم مع النساء، ويحاول أن يحكم المدن المفتوحة من خلال مواطنيها ومؤسساتها هي بالذات. وقبل هذا وذاك، من الضروري ألا يغفل الأمير أبداً عن العنصر الأهم المتمثل في أملاك رعاياه الخاصة، فعلى الأمير (أن يمنع نفسه بممتلكات الآخرين، لأن الرجال ينسون موت آبائهم أسرع من نسيان ضَيَاع ممتلكاتهم)

تعليق:

كان الأمراء في أوروبا في تلك الحقبة، إذا ما رأوا بستاناً ذا حدائق غناء أمر رجاله بطرد أصحابه وضمه لممتلكاته، وإذا ما رأى فتاة أو امرأة جميلة، أمرهم بإحضارها وقتل من يريد الدفاع عنها (زوجها، أو والدها). هذا الأمر ظهر بكتابات (مونتسكيو) عندما طالب أنه لا يجوز قتل شخص إلا بقانون، ولا يجوز الاستيلاء على أرض إلا بقانون، ولا يجوز سن قانون إلا بموافقة ممثلي الشعب، وكانت تلك النواة الأولى لفكرة الديمقراطية الحديثة.

ولو عدنا في منطقتنا العربية، الى بداية القرن العشرين، لرأينا تصرفات الإقطاعيين لا تختلف كثيراً عن تلك التصرفات، فكان الإقطاعي يعبث بعفاف نساء الفلاحين لديه، وله زبانيته الذين يصدون من يعترض، من خلال حظوات اكتسبها الإقطاع في الفترات التي سبقت انهيار الإمبراطورية العثمانية. وما أن أخذت الدولة العربية بالتكون، حتى شاهدنا من فقدوا امتيازاتهم الإقطاعية يهرعون للوقوف ضد التغيير، تارة بالتباكي على زوال (دولة الخلافة!) وتارة بزعمهم معاداة التقليد الغربي. وهم بالحقيقة لا يهمهم سوى ما فقدوه من امتيازات، ولا زالت تلك الفئات وما شابهها تشكل عائقاً كبيراً أمام الانتهاء من تشكيل الدولة العربية الحديثة التي تخلو من لوائح الاستثناءات والمستثنيين.

(3)

يقول مكيافيللي: ( إذا كان الأمير هو الذي يبني سلطته اعتماداً على الشعب، وكان رجلاً قادراً على القيادة وشجاعاً، غير آيسٍ في ساعات المحنة، وغير هياب من اتخاذ التدابير، حائزاً الولاء بفضل المؤسسات التي شادها، وبما له من صفات شخصية، إذا كان الأمير كذلك فلن يخذله الشعب مطلقاً، وسيكون قد شاد سلطته بإحكام)

ويقول في مكان آخر: (على الأمير أن يشجع الرجال المقتدرين، ويُكرم المتفوقين في أعمالهم. وعليه أن يوفر الأسباب ليمضي المزارعون والصناعيون والتجار بأعمالهم بسلام، فعلى المرء ألا يخشى من تحسين ممتلكاته مخافةً أن تُسلب) و (عليه أن يُدخل البهجة في أوقات مناسبة من السنة في قلوب الناس من خلال الاستعراضات والمهرجانات).

وما دام أن مجتمع المدينة مقسم الى أصنافٍ حرفية وعائلية فيجب أن يحظى كل صنف برعاية تحسسه بمواطنته وعضويته في حلقة أو دائرة في المجتمع المدني.

(4)

إن في كل جمهورية نزعتين مختلفتين: نزعة العامة ونزعة الطبقة العليا، أما التشريع الملائم للحرية فيتحقق نتيجة الفهم للصراع بينهما. لا يمكن إزالة الصراع الاجتماعي، ولكن يمكن جعله صراعاً مدنياً من خلال مؤسسات مناسبة، وحياة عامة نشطة، وقيادة خلاقة.

تسقط الدول عندما ينحط الصراع الاجتماعي الى مستوى نزاعٍ سياسي. بيد أن مكيافيللي كان واثقاً من أن مثل هذا الصراع يمكن أن يعزز الحرية إن تمكنت المؤسسات السياسية من حل الجدالات الحتمية التي تنشأ عن الصراع الطبقي أو عن المصالح الشخصية.

عندما يتم تعيين أو انتخاب المدافعين عن العامة فإن النظم المستبدة الملكية ستتحول الى دول أرستقراطية ثم تواصل طريقها للتحول الديمقراطي.

(5)

تحمل كل الدول بشكل طبيعي جرثومة الانحطاط، فالقوة والثروة الزائدة مع غياب المؤسسات التي تصون الدولة، تسحبان الدولة الى الفساد رغم وجود تألق ثقافي.

وأحياناً يكون ضغط العامة لإيجاد وظائف لمدافعين عنهم، تجعل هؤلاء المدافعين يدخلون في نزاع أو تفاوض مع النبلاء وعلية القوم (في الدولة التي لم تصل بعد الى الديمقراطية) لتقاسم الألقاب والامتيازات. وهذا سيقود الى إجهاض حالة الصعود في تشكيل الدولة الصلبة.

إذا كان العامة يرغبون في قبول فقرهم لأنهم حظوا بالتمثيل السياسي (فالفضيلة كانت تُلتمس مهما يكن البيت الذي تقيم فيه. فجعلت طريقة الحياة هذه من الثروات أقل جاذبية). ولكن تبين أن ضغط طبقة النبلاء المتواصل، واشتداد قلاقل العامة، وفشل المؤسسات السياسية، هي توليفة قاتلة.

(6)

من هنا تأسست فكرة ضرورة إيجاد المجتمع المدني بمؤسساته الفاعلة، فالبرلماني الذي لا ينتمي الى هيئة اجتماعية تساعده في تكوين رأيه واتخاذ موقفه المنسجم مع موقف الدائرة الاجتماعية التي أوصلته للبرلمان، وتحاسبه إذا ما انحرف، سيكون منشغلاً منذ اليوم الأول في تحقيق مكاسبه الشخصية على حساب مصالح المؤسسة المدنية (مؤسسة المجتمع المدني) التي انتخبته. وهذا ما يجعل من الانتخابات البرلمانية المنقوصة في كثير من البلدان، عبئاً إضافيا على المجتمع ودولته وميزانيته، ويقود الى الفساد وخراب الدولة.

يتبع
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس