عرض مشاركة مفردة
قديم 25-05-2011, 07:19 PM   #26
المشرقي الإسلامي
أحمد محمد راشد
 
الصورة الرمزية لـ المشرقي الإسلامي
 
تاريخ التّسجيل: Nov 2003
الإقامة: مصر
المشاركات: 3,807
إفتراضي

(20)
ولقد امتزجت هذه الرموز وتفاعلت لتعكس من خلال نموها وترابطها وتفاعلها هذا البعد من بعدي الرؤية الشعرية في هذه القصيدة ، وعلى الرغم من أنها تمثل في مجموعها بعدًا واحدًا ، أو طرفًا واحدًا من طرفي الصراع ، فإنها لمك تبرأ من وجود نوع من الصراع فيما بينها ، لأن الثابت إذا كان يعني في جانب من جوانبه التخلف والجمود ، فإنه يعني في جانب آخر العراقة والأصالة والرسوخ ، ومن ثم فإننا نجد نوعًا من الصراع بين رموز هذا البعد الواحد، ومن خلال هذا الصراع والتفاعل تنمو الرموز وتتشابك ، وتنمو معها ومحدة القصيدة وتقوى .
أما البعد الثاني في القصيدة "التغيير " فإن الشارع يرمز إليه برمزين أساسيين هما :"الريح " و"البدوية السمراء" التي يرمز بها إلى العبارة الشعرية الخلاقة البكر ، التي تملم كالقدرة على الاتغيير والعصف بكل ما هو متخلف ومتفسخ في وجود الشاعر ، وهذان الرمزان بدورها يمتزجان امتزاجًا شديدًا ويتكاملان ،فالريح تنبع من بين يدي العبارة الشعرية البكر ذات الطاقات الخارقة.
وعلى الرغم من قلة الرموز التي جسد بها الشعر هذا البعد الثاني ،بالقياس إلى تلك التي جسد بها البعد الأول ، فإنه قد أسبغ عليها من الفاعلية والإيجابية ما جعلها تقوم ندًا لرموز البعد الأول على كثرتها ، بل تكاد تنتصر عليها في ذلك المقطع الرائع الذي يحمل عنوان "الريح" وهو أطول مقاطع القصيدة الستة ، بل إنه وحده يكاد يتجاوز في الطول المقاطع الجمسة الأخرى مجتمعة ؛ففي بداية ذلك المقطع نجد الشاعر مهمومًا بالاستجابة لنداء التغيير ، متلهفًا إلى العزيمة التي يستطيع بها أن ينشق عن كل الرموز التي تربطه بواقعه الثابت ،بكل ما في هذا الانشقاق من آلام "أطأ القلوب وبينها قلبي ، وأشرب من مرارات الدروب بلا مرارة"، وهنا تخطر في رؤياه العبارة الشعرية البكر ، البدوية السمراء بكل ما يحيط بدروب الوصول إليها من مخاطر ومعاناة ، وفي نفس الوقت بكل ما تملكه من طاقة خارقة على الغيير ؛فمنها تنبع الريح التي تملك جوع مبارد الفولاذ لتمحو هذه الحدود المتحجرة التي تمزق التراب العربي إلى مجموعة من الأجزاء المتناثرة ، وتعود الأرض بكرًا خصيبة كما كانت في بدء الخليقة ، أما النماذج الإنسانية المتفسخة فإنه يوكل ريح الرمل بها لتعجنها ، وينتهي المقطع الرائع ورموز التغيير المتجدد تكاد تنتصر على التخلف والجمود.
ولكن القصية ليست بهذه البساطة ، ولاصراع لم يكن ليحسم بهذه السهولة ،فإذا كانت رموز التغيير تمتلك مثل هذه الفاعلية ، فإن الثبات ليس دائمًا جمودًا وركودًا ، وإنما هو في الوقت ذاته في بعض جوانبه عراقة وأصالة
ولبعض رموز هذا الثبات من القوة والرسوخ ما يحول دون حسم الصراع بهذه السهولة لصالح البعد الآخر ، ومن ثم فإن القصيدة تنتهي ورموز الثبات تكاد تحقق نوعًا من الانتصار في الصراع ،فإذا كانت القصيدة بدأت وبين الشاعر والباب الذي يقود إلى عالم الانطلاق والتغيير :
..أقلام ومحبرة ، صدى متأفف ، كوم من الورق العتيق
هم العبور ، وخطوة أو خطوتان أإلى يقين الباب ، ثم إلى الطريق
فإذا هي تنتهي وقد تضخمت هذه الحوائل وازدادت ،فإذا هي :
..صحراء من الورق العتيق ،وخلفها واد من الورق العتيق ، وخلفها عمر من الورق العتيق
ومن خلال الصراع والتفاعل المعقدين بين رموز البعد الأول بعضها وبعض من ناحية ،ثم بينها وبين رموز البعد الثاني من ناحية أخرى ينمو بناء القصيدة وتتشابك أجزاؤها وعناصرها وتترابط ، وتتأكد من خلال ذلك وحدتها وتقوى رغم ما توحي به العناوين المستقلة للمقاطع من تمايز هذه المقطاع واستقلال بعضها عن بعض .
وهكذا نجد أن وحدة القصيدة الحديثة لا تقف عند حدود وحدة المشاعر والأفكار التي تألف منها الرؤية الشعرية،وإنما تتجاوز ذلك إلى وحدة الأدوات والتكنيكات الشعرية المستخدمة في تجسيد هذه الرؤية ذات الأبعاد المتعددة الترابطة .كما نجد أن هذه الوحدة موجودة بأعماق صورها وأوثقها حتى في تلك القصائد التي تبدو في الظاهر متفككة الأجزاء مستقلة المقاطع .
المشرقي الإسلامي غير متصل   الرد مع إقتباس