عرض مشاركة مفردة
قديم 25-05-2011, 07:24 PM   #30
المشرقي الإسلامي
أحمد محمد راشد
 
الصورة الرمزية لـ المشرقي الإسلامي
 
تاريخ التّسجيل: Nov 2003
الإقامة: مصر
المشاركات: 3,807
إفتراضي

(24)
وهكذا يظل على امتداد القصيدة هذ1ا الصراع غير المتكافئ بين "جيكور " والمدينة ،بين نصاعة الفطرة وبراءتها الأولى وجفاف المدينة وماديتها وقسوتها ،المدينة بكل جبروتها وطغياتها وجيكور بكل وداعتها ونقائها ،وتنتهي القصيدة هذه النهاية الأليمة "وجكور من دونها قام سور ، وبوابة ،واحتوتها سكينة" هذه النهاية التي تردنا إلى بداية القصيدة ، وتوحد بين الشاعر وجيكور فكلاهما سجين محاصر ؛الشاعر في البداية "تلتف حولنه دروب المدينة " وجيكور في النهاية "من حولها قم سور وبوابة واحتوتها سكينة".

إن أحدًا لا يستطع أن يدي أن مثل هذه القصيدة تعبر بطريق مباشر عن معنى محدد يمكن تعيينه والاتفاق حوله ،إن ما تقدمه هو مجمموعة من الإحيحاءات المتشابكة المتنامية غير المحدودة وهذا هو الشأن في كل قصيدة حديثة ، وفي كل عمل فني عظيم ، وإذا كانت هذه السمة تسبب انزعاجًا لبعض الذين ينشدون من قراءتهم اللشعر معنى واحدًا دقيقًا يتفق جوله الجميع أو يكادون ،ويرفضون من الشعر كل ملا يقدم لهم هذا المعنى ، فإن النظرة العادلة تقتضينا "أن نربط بين مجال الإبلاغ أو التوصيل ،وقدرة اللغة على الإهابة بأعماقها ،ومن الخطأ أن نسوي بين مفهوم الدقة واتفاق عدد من الناس " (21)
بل كثيرًا ما تكون هذه الإيحاءات الخفية أكثر دقة ، وأكثر قربًا إلى الحقيقة من ذلك المعنى المشترك بين القراء،والذي يحكى بقدر أكبر من اتفاق الجميع ،وهو المعنى المباشر.
ولكي يحقق الشاعر المعاصر لقصيدته سمة الإيحاء تلك –وسواها من السمات السابقة –فإنه يلجأ إلى استخدام مجموعتة من الأدوات والتكنيكات الفنية ،بعضها مستمد من التقاليد الموروثة منذ أقدم عصوره ،كاللغة الشعرية،والصورة الشعرية ،والموسيقى الشعرية المتمثلة في الوزن والقافية ،وبعضها الآخر من التقاليد الشعرية الحديثة كالرمز ،والمفارقة التصويريةـ وغير ذلك من الأدوات الفنية التي ابتكرها الشاعر الحديث ،وبعضها الثالث استعاره الشاعر من الفنون الأدبية العربية التراثية بعض قوالبها الفنية ، كقالب المقامة والتوقيع مثلاً ،كما استمد من الرواية الحديثة أسلوب الارتداد(فلاش باك) والمونولج الداخلي ، وغير ذلك من تكنيكات الرواية الحديثة ، كما استعار من المسرحية أخص تكنيكاتها بها مثل تعدد الأصسوات والحوار ،والصراع بل إن بعض القصائد الحديثة استعارت القالب المسرحي بكل مكوناته وعناصره.
ولم يقف الشاعر المعاصر عند حدود الاستعارة من الفنون الأدبية المختلفة -قديمها وحديثها - وإنما مضى يستعير من الفنون الجميلة الأخرى من تصوير وموسيقى ،وسينما ،..إلخ
وقد طوع الشاعر بالطبع ما استعاره من تكنيكات هذه الفنون لطبيعة البناء الفني للقصيدة ، بحيث أصبحت تكنيكات شعرية تنتمي إلى القصيدة بنفس القدر الذي تنتمي به إليها التقاليد الشعرية الموروثة ، وأيضًا بنفس القدر الذي تنتمي به هذه التكنيكات إلى فنونها الأصلية.
ودراسة هذه الأدوات والتكنيكات في القصيدة الحديثة في موضوع المباحث التالية من الكتاب.
________________________
(21)د.مصطفى ناصف:مشكلة المعننى في النقد الحديث .ص29.
المشرقي الإسلامي غير متصل   الرد مع إقتباس