عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 14-01-2011, 02:11 PM   #3
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,414
إفتراضي

لكن أخطر ما انتهت إليه أوضاع النظام القطري العربي لم يكن ترسُّخُه وانغلاقُه، بل تَحَلُّلُه وتفتته وبداية انفراط عقده على نحو ما نُعَانيُه في حالات الصومال والعراق والسودان ولبنان، على تفاوتٍ بينها في الدرجة. إن القوى الاستعمارية التي مزقت المشرق العربي إلى دويلات قطرية، باتت تستكثر على العرب حتى تلك الدويلات نفسها متطلعة إلى إعادة تمزيقها كيانيّاً وتفصيلها من جديد على مقاس الطوائف والمذاهب والعشائر والجماعات الإثنية الصغرى، وليس النفخ الخارجي في النزاعات الأهليَة الداخلية وتنمية العصبيات المحلية وتعزيز الانقسام المذهبي، إلا محاولات لدق الإسفين بين القوى الداخلية المكوّنة للجماعة الوطنية، قصد دفعها إلى الاقتتال مَعْبَراً نحو تقسيمٍ وتجزئةٍ جديديْن!

وخامسها الانهيار المروّع للأمن القومي نتيجة عجز القدرة الدفاعية العربية عن صونه وحمايته. كان اختلال التوازن العسكري بين الدول العربية و"إسرائيل" – لصالح الأخيرة – بدايةَ ذلك الانهيار، خاصة بعد إسقاط النخب العربية الحاكمة للخيار العسكري وجنوحها المعيب للتسوية. إِذِ اسْتُبِيحَ الأمنُ القومي في هذا السياق، وبات في وسع إسرائيل أن تزحف بجيوشها إلى لبنان، وأن تقصف المراكز العلمية والصناعية العربية (مفاعل تموز العراقي)، وأن تضرب طائراتُها مقر منظمة التحرير في العمق التونسي وتُنْزِلَ في ذلك العمق فرق اغتيالٍ لتصفية قادة الثورة الفلسطينية (اغتيال الشهيد خليل الوزير: "أبو جهاد")، وأن تمرح طائراتُها في الأجواء اللبنانية وبوارجُها في المياه اللبنانية، وأن تضرب مراكز القوات السورية في لبنان، بل وتقصف العمق السوري...، دون أن تلقى ردّاً. لكن الدرجة الأعلى في ذلك الانهيار، الذي أصاب الأمن القومي العربي، هو التدفق العسكري الواسع للقوات الأمريكية على الجزيرة العربية والخليج منذ التحضير لضرب العراق في العام 1991 وصولاً إلى تدميره والاستقرار في دول منطقة الخليج العربي، انتهاء باحتلال العراق ومحاولة إقامة قواعد دائمة فيه، والتطلع إلى الإخضاع الكامل لسائر دول الدائرة العربية حتى تلك التي تقبل منها بفكرة الأمن المستورد بدل الأمن القومي العربي. ولم يكن ليعدِّل من هذا الانهيار نسبيّاً سوى النجاح في إلحاق ضربات موجعة بالقوى المعادية على نحو ما سبقت الإشارة إليه.

تلك ظواهر تشهد بالمدى البعيد الذي بلغه التراجع في أداء الوطن العربي في العقود الأخيرة، وسياقاتها العربية التي جرى فيها. لكن هذه السياقات مشدودة بمعطياتٍ دولية وإقليمية تفرض أحكامَها على مجمل الواقع العربي، وتفرض التدهور حالاً متماديةَ الفعل والتأثير في حركة تطوُّره المعاصر.

2- السياق العالمي والإقليمي للتدهور:
في أعقاب الانتكاسة التي منيت بها محاولة النهوض العربي في خمسينات القرن الماضي وستيناته بفعل العدوان الإسرائيلي في1967 بدا لوهلة أن النظام العالمي باقٍ على نموذجه السائد في ذلك الحين، بل لقد بدا في عقد السبعينات أن القوة الأمريكية آخذة في التراجع بفعل الهزيمة العسكرية القاسية في فيتنام وفقدان مواقع مهمة للتأثير والنفوذ كما حدث بعد نجاح الثورة الإيرانية في1979، غير أن السياسة الهجومية للإدارة الأميركية اليمينية الجديدة منذ مطلع الثمانينات استطاعت أن تستعيد تدريجياً القدرة الأميركية على التأثير في الساحة العالمية، وذلك في الوقت الذي بدأت فيه عوامل الوهن الداخلي في الاتحاد السوفيتي تحدث آثارها في كيان القوة العظمى الثانية في قيادة النظام العالمي، وعندما تولى جورباتشوف قيادة الاتحاد السوفيتي في1985 راهن كثير من المحللين على قدرته على وقف تراجع القوة السوفيتية، غير أن خيوط اللعبة أفلتت تماماً من يديه (إذا استبعدنا ما يصر عليه البعض من أنه كان شريكاً في مؤامرة على الاتحاد السوفيتي) وانتهى الأمر باختفاء الاتحاد السوفيتي من خريطة العالم في كانون الأول/ديسمبر1991وحلول خمس عشرة جمهورية مستقلة محله هي كل ما كان الكيان السوفيتي يضمه من جمهوريات فيدرالية. ولقد ورثت روسيا القوة النووية السوفيتية ومعظم عناصر القوة في الكيان المتفكك، غير أن استسلامها التام للمعسكر الرأسمالي في ظل رئاسة يلتسين أفقدها أي تأثير أو نفوذ بالمعايير العالمية، وساعد ذلك دون شك على بلورة وضع عالمي جديد تمثلت أهم معالمه في بروز القيادة الأميركية الأحادية للنظام العالمي، وفقدت الدول المتوسطة والصغرى بذلك عالم القطبية الثنائية الذي وفر لمن يملك الإرادة منها قدراً من حرية الحركة في الساحة الدولية، وأصبح عليها إما أن تقنع بالتبعية المطلقة للولايات المتحدة، أو تحاول الحفاظ على استقلالها أو على الأقل على قدر منه في ظل ظروف عالمية بالغة التعقيد تهدد بضرب كل من يتجاسر على تحدي الإرادة الأميركية، وكان للدول العربية بطبيعة الحال نصيبها الخاص من هذه التداعيات السلبية بسبب فداحة المصالح الأميركية في الوطن العربي وعلى رأسها المصالح النفطية.

ولقد ساد في حينه جدل داخل الوطن العربي وخارجه حول طبيعة تلك التحولات، وانقسمت الآراء في هذا الصدد، فرأى فريق أنها قد أفضت إلى نظام عالمي جديد أحادي القطبية سوف يُقدر له أن يسود التفاعلات الدولية لمرحلة كاملة من مراحل تطور العلاقات الدولية، وذلك بالنظر إلى التفوق الواضح للقوة الأميركية، ووجود مشروع متبلور لقيادة العالم لدى نخبتها الحاكمة، والسلوك الأميركي التدخلي في القضايا الدولية الذي يجعل هذه القيادة أمراً واقعاً. غير أن فريقاً آخر رأى في هذه التحولات وضعاً مؤقتاً، لأن ثمة تنامياً متزايداً لأقطاب عالمية جديدة لعل الصين أبرزها، ولأن المشروع الأميركي لقيادة العالم القائم على الهيمنة هو في حد ذاته مصدر تآكل للقطبية الأحادية بقدر الممانعة الدولية له، ولأن السلوك الأميركي في الشئون الدولية أحدث من الارتباك والفوضى أكثر مما أوجد من التماسك والاستقرار.

مع ذلك فإن الفريقين لم يختلفا على أن اللحظة كانت تشير إلى انفراد أميركي ظاهر بمقاليد القرار في الشئون العالمية، وفي تلك الظروف وقع احتلال العراق في2003، وبدا لوهلة أن الولايات المتحدة تشق طريقها بثبات نحو تحقيق الهيمنة على الوطن العربي، غير أن المقاومة العراقية أوقفت تقدم المشروع الأميركي وبدأت عوامل عالمية أخرى في التبلور على النحو الذي يؤيد وجهة النظر التي تنبأت بعودة قيادة النظام العالمي إلى نموذج التعددية، فواصلت القوة الصينية تقدمها بثبات، واستعادت روسيا الاتحادية في ظل قيادة بوتين مقومات قوتها العسكرية، وتجاوزت محنتها الاقتصادية، وبدأت في تبني سياسة تعكس مصالحها الوطنية بما أفضى إليه ذلك من تعقيدات في العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة بصفة خاصة. يضاف إلى ذلك عودة اليسار إلى السلطة في بلدان أميركا اللاتينية عبر صناديق الاقتراع، وإذ رفعت هذه العودة العزلة عن كوبا وفنزويلا أذنت بتحجيم النفوذ الأميركي في القارة اللاتينية التي كانت حديقة شبه خلفية لذلك النفوذ، وبكسر حلقة الإطباق الأميركي على مصائر شعوب وبلدان العالم الثالث وتوسعة رقعة الممانعة الدولية للسياسات العدوانية الأميركية في العالم.

على الصعيد الإقليمي لا شك أن الكيان الصهيوني قد لعب دوره في التدهور الذي ألم بمحاولة النهضة العربية، فقد كان هو الأداة التي وجهت الضربة العسكرية للدولة القائدة لهذه المحاولة في1967، واستطاع هذا الكيان على الرغم من الإنجاز العربي في حرب الاستنزاف عقب عدوان1967، وحرب1973 أن يثابر على سياسته العنصرية التوسعية بسند أميركي مطلق، وفي هذا الإطار حدث الاختراق الإسرائيلي الكبير للأمة العربية بتوقيع معاهدة السلام مع مصر في1979 والأردن في1994، وما تبع ذلك من هرولة غير مبررة من قبل عدد من الدول العربية باتجاه إسرائيل، الأمر الذي عزز الانقسام العربي بشأن سبل المواجهة مع إسرائيل. وعلى الرغم من أن المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية قد حققتا انتصارات لافتة في هذه المواجهة وبصفة خاصة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين فإن غياب ظهير عربي قوي لهما واستشراء الانقسام الداخلي بين فصائل المقاومة الفلسطينية قد مثلا قيداً واضحاً على هذه المقاومة.

في السياق الإقليمي أيضاً أخفق النظام العربي في التوصل إلى معادلة صحيحة للعلاقة مع جارتيه الآسيوتين الكبيرتين إيران وتركيا. في البدء كانت إيران الشاهنشاهية جزءاً لا يتجزأ من المشروع الأميركي المناهض لآمال الأمة وغاياتها، وعندما نجحت الثورة الإيرانية في1979 تبادلت إيران الأدوار مع عرب المد القومي في ستينات القرن العشرين، غير أن التشدد القومي الواضح للثورة الإيرانية والتناقض بين مشروعها "الإسلامي" وبين النظم العربية عامة والخليجية خاصة أوجد احتقاناً في العلاقات العربية-الإيرانية بلغ ذروته بانفجار الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988) لتكون أطول حرب نظامية يشهدها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد كان لتلك الحرب أسوأ الآثار في تدمير مقومات القوة العربية، وتعثر مسيرة الأمة على طريق التنمية. وبين دور إيراني في العراق مرفوض عربياً، وإمكانات عمل عربي-إيراني مشترك لمواجهة محاولات الهيمنة الصهيوأمريكية ما زال النظام العربي غير قادر على أن يجد المعادلة الصحيحة لعلاقته بإيران على النحو الذي يعظم القواسم المشتركة ويحفظ المصالح العربية في آن واحد.

وبالنسبة لتركيا فشل النموذج التركي الذي أيده الغرب، وبصفة خاصة الولايات المتحدة لتحقيق نهضة إقليمية في الشرق الأوسط في أن يحصل على قبول من جانب النخب السياسية في الوطن العربي لأسباب كثيرة منها العامل التاريخي، ومنها أيضاً طبيعة العلاقة بين تركيا كدولة أطلنطية وبين الولايات المتحدة التي لعبت دوراً رئيسياً في وأد مشروع النهضة العربية في خمسينات القرن الماضي وستيناته، ويضاف إلى ذلك عوامل التوتر في العلاقات العربية-التركية بخصوص قضايا حيوية كالمياه ولواء الاسكندرونة والعلاقات التركية-الإسرائيلية، ومع ذلك فإن التطورات الداخلية في تركيا في العقود الأخيرة وانكشاف حقيقة الرغبة الغربية في عدم قبول تركيا دولة ناهضة في مجتمع الدول الغربية المتقدمة قد
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس