عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 14-01-2011, 02:21 PM   #8
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,414
إفتراضي

3- من أجل نسقِ قيمٍ نهضوي

إن نسق القيم النهضوي الذي نعنيه، هنا، هو ذاك الذي يترجم معنى التجدُّد الحضاري الوارد أعلاه؛ أي النسق الذي يعبّر عن تلك الحالة من التوازن المطلوب بين المواريث والمكتسبات، بين الخصوصية والكونية، المتمسك بشخصيته والمنفتح على العالم. وهكذا فإن نسق القيم النهضوي لا بدّ من أن يكون في الآن نفسه معبِّراً عن الشخصية العربية – الإسلامية، متمسكاً بالقيم الكبيرة فيها المستمدة من التراكم الاجتماعي والثقافي والديني (قيم التمسك بالعائلة، وأخلاق المروءة، والصدق، والإيثار على النفس، والتراحم، والتوادد، والتضامن، والإنصاف والعدل...)، ومنفتحاً على العصر منتهلاً منه أرقى ما في قيمه ومتمسكاً بها، مستدمجاً إياها في منظومته (ومنها قيم الحرية، والتسامح، والاختلاف، والمسؤولية، والاستقلال الذاتي للشخصية، والإنتاج...).

وقد يكون من تحصيل الحاصل القول إن الهوية – أية هوية – ليست معطىً ثابتاً ونهائيّاً، وإنما هي حصيلة ما يكتسبه الأفراد والجماعات من قيم جديدة تصبح جزءاً من تكوين الهوية. إن الإسلام أضاف إلى العرب قيماً جديدة على قيم الشجاعة والمروءة والكرم والتضامن التي كانت لديهم قبل الإسلام، والتي اعترف لهم الإسلام بها باعتبارها من "مكارم الأخلاق" (كما ورد في الحديث النبوي: "إنَّما بُعِثْتُ لأتَمِّمَ مكارم الأخلاق"). ولم تلبث قيم الإسلام أن أصبحت قيم العرب. ثم إن كثيراً من القيم الحديثة التي كانت مرفوضة، قبل قرنين، من العرب والمسلمين (حرية المرأة، والاختلاط بين الجنسين، والترفيه أو الترويح عن النفس، والاقتداء بغير المسلمين في المأكل والملبس...)، باتت اليوم جزءاً من قيمهم وعاداتهم وتقاليدهم لا يسألون عن مدى شرعيتها أو مدى الأصالةِ فيها.

وإذا كان من الثابت أن نسق القيم النهضوي الذي ندعو إليه يجافي قيم التواكل والاعتماد على الغير – في قيمنا الموروثة – ويجافي القيم الغرائزية الشاذة والقيم الذرائعية والفردانية الأنانية في القيم الحديثة والمعاصرة، فمن تحصيل الحاصل القول إنه نسق القيم الذي لا يمكنه أن يرى النور إلا من خلال إعادة تأهيل مؤسسات التربية كافة – من أسرة ومدرسة وإعلام – وتزويدها برسالة اجتماعية نهضوية تقوم بها. وهذه مهمة ملقاة على عاتق النخب الفكرية والاجتماعية اليوم في الوطن العربي، في المقام الأول، دون إعفاء الدولة من مسؤوليتها في ذلك.

ولعلّ قوى المشروع النهضويّ العربيّ مدعوَّة إلى الاغْتراف من دوائر حضارية أخرى غير الغرب، وقراءة تجربتها التاريخية المعاصرة، وخاصة تجربتها في توفير أجوبة خلاقة عن إشكالية الخصوصية والكونية، الهوية والحداثة، في مجتمعاتها. ولعلّ بلداناً من الدائرة الآسيوية، مثل اليابان والصين والهند، تقدّم مثالاً لتلك الأجوبة الخلاّقة. وأهميتها تأتي بالذات من كونها مكتنزةً بالتاريخ ومواريثه، وبثقل العمق الحضاريِّ فيها، مثل المجتمع العربي، وبثراء نسق "القيم الآسيوية". أما إذا كان لا بدَّ من نماذج لمجتمعاتٍ أقرب إلى مناخنا الحضاري والديني والثقافي، ففي ماليزيا المثال الذي يستحق القراءة والاستفادة.

__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس