عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 17-04-2006, 03:57 PM   #21
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

الإطار المرجعي للفكر العربي :

( 3 )

عندما يريد الباحث ، أو حتى القارئ ، أن يتتبع أثر تكوين بداية المرجعيات للفكر العربي بعين منهجية فاحصة و متأنية ومحايدة ، وينظر في السنين الأولى لعصر التدوين وبالذات الى ( العلم ) حيث كان يقصد به الأحاديث النبوية وما يتعلق بها .. فإن عليه أن يتفحص ( ما سكت عنه ) لا ما قيل وكتب فقط .

فلو نظرنا اليوم ، في عصرنا الراهن ، عما يكتب و يفسر من أحداث ، وما يملأ الصحف والمجلات و الكتب و وسائل الإعلام الأخرى ، لرأينا أن ( ما يسكت عنه ) أكبر و أكثر و أقرب للحقيقة ، ولكن الظرف السياسي ، وموازين القوى تحتم ، أن يطفو على السطح ما أقرب ، لمن بيده القوة الأكثر .. وان كان لا يستطيع محو و إزالة ما يثار من أصوات لا تتناسب مع صاحب القوة ..

ففي عصر تدوين الحديث والفقه ، ظهر ( ابن جريج ) بمكة ، و ( مالك .. الموطأ ) بالمدينة المنورة .. و( الأوزاعي ) بالشام .. و ( ابن أبي عروبة وحماد بن سلمة ) بالبصرة و ( معمر ) باليمن و ( سفيان الثوري ) بالكوفة ، وغيرهم في أماكن متعددة من بلاد المسلمين ..

وبالمقابل ، إذا عرفنا أن ( جعفر الصادق ) الإمام الشيعي الأكبر والمتوفى سنة 148 للهجرة ، قد تم في عهده تدوين علم الحديث ، وفق النظرة الشيعية ، فان نصوص ( علماء ) الحديث قد أغفلت جهده .. كما أغفل (علماء) الحديث الشيعة جهد الآخرين ، ليس سهوا من الطرفين ، بل إصرارا وفق وجهة نظر مراجعهم العليا ، والتي لم تكن بعيدة عن النظرة السياسية السائدة ، أو ما يعارضها .

ثم أصبح التباري عند العلماء برد جهود جمع الحديث و الفقه الى ما قبل البداية الرسمية لعصر التدوين ، وهي ( 143 للهجرة ) .. فيروي أهل السنة أن جهد جمع الحديث بدأ بأيام الخليفة الأموي ( عمر بن عبد العزيز 99 ـ 101 هـ) ، حيث كتب الى أهل الآفاق أن ( انظروا الى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاجمعوه ) ..

ويرد أهل الشيعة على ذلك ، على لسان أحد كبار علمائهم ( السيد حسن الصدر المتوفى سنة 1354هـ ) ، بأن الشيعة قد بدئوا بجمع الحديث منذ عهد الخلفاء الراشدين ، فيشير الى أن ( سلمان الفارسي ! ) أول من صنف في الآثار وأن أبا ذر الغفاري كان أول من صنف الحديث ، و أن ابن أبي رافع (مولى الرسول صلوات الله عليه ) ألف كتابا بعنوان ( السنن و الأحكام والقضايا ) .

لقد كانت عملية الجهد في جمع الحديث ، في أحد أهدافها الخفية ، تتم ( لشرعنة) أو ترسيم ( جعله رسميا ) الحكم السياسي أو المعارضة له ..

لقد أوصل ذاك الماضي لنا وضعا ، جعل المستشرقين ، وخدم السياسات الغربية ، أن يصنفوا أن هناك إسلام ( سني ) و إسلام ( شيعي ) .. والحقيقة أن هناك ( عقل سني ) و ( عقل شيعي ) .. أي أن الأداة التي ينظر الى الأمور السياسية والحضارية تجاهها ومن خلفية دينية ( محاذية ) أو ( متقفية ) هي ما يجعلنا نميل الى ذلك التصنيف ..

هناك مسألة أخرى ، لم ينتبه لها من قام بعصر التدوين ، وما تبعهم من متأثرين بهم ، وهي نبذت لأنها لم تدخل في جانب العلم ( ! ) .. وهي النظرة الى علم الكلام و علوم الأوائل .. إذ أن تاريخ (143 هـ ) قد سبقه جهد (واصل بن عطاء ) المتوفى سنة 131 هـ ، وجهد ( الأمير خالد بن يزيد بن معاوية ) المتوفى سنة 85 هـ ، والذي اجتهد في علوم الكيمياء و الطب والترجمة ، في حين تم إغفال جهده والانتباه ل ( جابر بن حيان ) تلميذ (جعفر الصادق ) ..

ومن الجوانب الأخرى التي سكت عنها ، هو الجهد في حركة تعريب ( الدواوين) الذي ابتدأ في عصر عبد الملك بن مروان ، بعدما أخذ التلحين باللغة ، يتأثر بموظفي الدولة ( خبراء تكوينها ) الفرس والروم .. مما جعل هؤلاء أن يلتزموا تعلم اللغة العربية ويعلمونها لأولادهم ، وهذا ترك أثرا في تطويع لغة الشعر ، الى لغة حضارية أثرت فيما بعد على مسار تلك الحضارة ..

كما أغفل التدوين الجهد الذي بذله ( ابن المقفع ) في الكتابات السياسية ، والذي ظل كتابه ( كليلة ودمنة ) يأتي بالمرتبة الثانية بالتداول ، بعد القرآن الكريم ، رغم أن آراء ابن المقفع كانت طاغية على النص المترجم ، فإنه لم يشر في الكتاب أي إشارة الى القرآن .. وهي دوافع ( علمانية ) في النظر لمسألة السياسة ، لم تنتبه لها النصوص ..

ننتهي الى القول في هذا المجال ، بأن ملاحقة الماضي لأبناء اليوم ، هي من تقود سلوكهم ونشاطهم ( الإيبيستمولوجي ) .. والذي لا بد من تحييد الجانب المعرفي به ، أو على الأقل توظيفه بثوابته و نواقضه ، فيما يمهد لمرحلة تأسيسية أقدر على التعاطي مع الواقع ..
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس