عرض مشاركة مفردة
قديم 02-05-2006, 07:17 PM   #24
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

الأعرابي .. صانع العالم العربي ..

(1)

ليس هناك جنس من البشر ، تؤثر اللغة فيهم وفي تفكيرهم ، من حيث الشكل والطريقة ، كما يحدث لأبناء العرب .. وإن كان لنا أن نتمعن في تلك الحالة فسنجد ذلك الافتخار باللغة المعلن عنه أحيانا والصامت أحيانا أخرى ، نابع من كونها لغة حية ، لم تصمد أي لغة عند البشر بالشكل الذي صمدت به اللغة العربية .. فلا يستطيع الانجليزي أن يفقه لغة شكسبير وهي لا تساوي ثلث المدة الزمنية التي يفقه بها ابن العرب لغة شعراء الجاهلية ..

ولذلك ارتبط العربي بالفصاحة وارتبط غيره بالعجمية ، وهي الصفة النقيض للفصاحة .. وقد ورد بالقرآن الكريم ، تلك الثنائية ( لسان عربي ) وبمكان آخر ورد ( عجمي ) كنقيض للعربي .. وهذه التزكية قد دفعت العربي على التباهي بقدرته الفصيحة على أقرانه من الذين اعتنقوا الإسلام فيما بعد ، وجعلت اللغة كأداة ( عقلية ) لأداة ( العقل) نفسه على الرؤية للأمور وفهمها ..

وعندما وضعت القواعد والاشتقاقات للغة العربية منذ أربعة عشر قرنا ، ولا زالت تلك القواعد ثابتة لحد اليوم .. فقد كانت الاشتقاقات و القواعد هي ذات النهج الذي بنيت عليه المحاكمات والاستنتاجات الفقهية .. وهنا سنتوقف عند هذا الحد لنعود اليه في المستقبل عندما نتكلم عن النظم المعرفية ..

لقد أحس العرب أنهم قدموا للعالم ، دين ولغة ، و تلك الثنائية ، جعلت من يدعون أنهم اعتنقوا الإسلام أن يثبتوا إدعائهم بشكل أكثر ، في تعلم اللغة وتعلم أصولها ونحوها ، الكتابة بها .. حتى يصبحوا من الذين يؤخذ عنهم و يتم ذكرهم .

وعندما تغيرت الحروف وتغيرت الكتابة عند الشعوب المسلمة ، من العربية الى لغاتهم الأصلية ، تم ربط هذا التغير بدوافع اجتماعية وسياسية ، أثرت على صب جهود العلماء في ماعون ( أو وعاء ) التفكير الذي ، يتغذى منه العقل العربي ( كأداة ) ..

يعد المفكر الألماني ( هردر ) [ 1744ـ 1803] أول رائد ربط اللغة بالفكر ، ونحن إذ نتحفظ على دوافعه القومية في نظريته ، لا بد أن نقر بالجزء الذي يتعلق باعتبار اللغة ( قالب ) لصنع الرؤية للعالم الخارجي و تقييم الأمور .. فالطفل تتكون نظرته و تتجسد للرؤية والتعبير عن الحياة من خلال الكلمات الأولى التي يأخذها من أمه ( لغة الأم ) .. ويبني عليها مداركه تدريجيا وفق ما يسمع من الآخرين .. فهذه الكلمات أو ( اللغة ) بنظر هردر هي بمثابة القالب الذي تصنع به الأفكار ، تماما كقالب الكيك أو الطوب ..

ويضيف ( هردر ) الى ما توصل اليه الفلاسفة في ( كل التراث الفكري العالمي) بأن [ الحقيقة و الخير والجمال ] هي أسمى ما يسعى اليه كل أبناء البشر ويعطيه ذلك القدر من قدسية تلك الأهداف .. فأضاف لها اللغة ، كركيزة مستترة تنافس أو تحاذي ذلك الثالوث .. وهو هنا يرمي بطرف خفي للقومية !

لقد شارك ( هردر ) بنظرته تلك عن أهمية اللغة و أثرها في العقل ، مجموعة من العلماء ( آدم شاف ، وإدوارد سابير وولهلم فون همبولد ) فلخصوا ذلك بمفاهيم يمكن تكثيف محتواها ب ( إننا نفكر كما نتكلم .. ونتكلم كما نفكر ) ..

وهناك أمثلة كثيرة ، ساقها العلماء للتدليل على صحة نظريتهم ، اعتمدوا فيها الحالة عند بعض الشعوب البدائية .. فضربوا مثلا أن البيئة التي تحتم على عينة من الناس شكل ودلالة المفردات ، كشعب ( الأسكيمو ) حيث أن المفردات الخاصة بالثلج والإنجماد وغيرها .. ليست معروفة عند أبناء الصحراء العربية ، فقد تجد عند الأسكيمو آلاف الكلمات الدالة على الثلج و أطواره ، في حين بالكاد يعرف ابن الصحراء العربية واحدة منها ( الثلج مثلا ) .. بالمقابل فإن المفردات التي يستعملها ابن الصحراء العربية الدالة على الرمل والحرارة ، فإنها ستكون بالآلاف ، ولا يعرف ابن الأسكيمو عنها شيئا ..
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس