عرض مشاركة مفردة
قديم 09-05-2006, 12:57 PM   #26
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

(10)

لاحظ أحد الأطباء الذين كانوا يشرفون على الحالة الصحية في سجن سالسبوري بروديسيا (زمبابوي الآن ) ..أن كلبا كان يركض في الساحات الشاسعة خلف السجن ، ويقوم بشم النبات هذا ويتركه ، ويشم ذاك النبات ويتركه ، والطبيب يراقبه من شرفة سكنه ، حتى توقف الكلب عند نبتة وتناول منها عدة قضمات ، وبعدها بقليل أفرغ ما في بطنه . فهرع الطبيب الى النبتة وأخذ منها قطعة وفحصها ، فإذا بها بعض المواد المقيئة .

لا تستطيع حيوانات البراري إذا ألم بها المرض ، أن تذهب لعيادة طبيب بيطري وتشتكي له من صداع أو ألم في الكبد ، فقد زودها الله بتلك الخاصية ، لتبحث عن علاجها بين نباتات الطبيعة ..

بالعتيقة ، كما في غيرها من القرى القديمة ، لم يكن هناك عيادات طبية ، ولم يكن هناك أطباء في كل المنطقة ، فاللواء كله لم يكن به إلا طبيب واحد من أصل إيراني ، ومن يدري فقد لا يكون طبيبا ، فلم تكن هناك جهات وقوانين تقرر إن كان هذا قد نال شهادة الطب أو أنه أهل لمزاولة تلك المهنة ..

لم يكن أحد يعير اهتماما بالمريض ، فالمرض والموت أكثر أصدقاء أهل القرية غير المرغوب بهم زيارة لتلك القرية . فإن مرض أحدهم وكان موكل إليه مهمة الحراثة ، فإنهم لا يمنحونه فرصة كبيرة للاستراحة ، أو حتى أن يعبر عن مرضه ، ولو بالتأوه .. ويكون هو على علم بتلك المشاعر ووجاهتها ، فإن تأخر عن أداء عمله ، فإن عليه أن يبذل جهدا مضاعفا فيما بعد لإنجازه ، فقد عرف أن هذه هي حصته من الواجبات ..

كانوا يفقدوه إذا ساءت ظروفه كثيرا ، بقليل من اللبن والثوم ، و أحيانا يعطوه بعض البصل مع الطعام كحظوة إضافية ، عله يخف ويقوم الى عمله بوقت أبكر ، أو يحضرون له عجوزا ، تحتفظ ببعض المهارات وبعض أصناف أدوية مثل ( السنامكة ، والمروحة ، والعنزروت وغيرها ) .. كانت وهي قادمة تصلك روائح تلك المواد النفاثة قبل وصولها لتنبئ عن قدومها ، دون أن تراها .

كانت تستخدم تلك المواد ، فتضبط معها من بين كل عشرين حالة ، حالة تمدها ببعض الشهرة لحين أن تضبط حالة أخرى ، كانت لا تتكلم كثيرا ، ليفضحها جهلها في تفسير ما يلم بالمريض من حالة ، حتى لو كان سرطان الدم ، فإنها تتمتم ببعض الكلام غير المفهوم ، محاولة أن تبقي على حضورها في ذاكرة أهل البلدة لفترة طويلة ..

ولم يكن لدى أهل القرية خيارات متعددة ، للقبول بتلك العجوز أو رفضها ، بل بالعكس ، ما أن يقال لهم عن وصفة ، فيهبوا إن ساءت الحالة لتنفيذها ، فإن أشار عليهم أحد بوضع لوح صبار مشوي على رقبة أو ظهر المريض ، فإنهم يقوموا بالسفر لأقرب قرية بها تلك النبتة فيحضروها ..

وإن قال أحدهم أن ( كاسات الهواء ) هي الحل ، سرعان ما يحضروا مثل تلك الكؤوس وهي أكواب زجاجية ذات مصنعية رديئة ، لها فتحة مستديرة ، ثم تنبعج لجهة الأسفل لتكون أكثر اتساعا ، فيحرقون بها ورقة أو خرقة قماش ويضعونها على أماكن في جسم المريض فيتضايق من الحرارة ، فتنتفخ أجزاء جلده نحو داخل ( الكأس) .. ومن حوله يطمئنوه بأن الفرج قريب ..

و أحيانا كان أحدهم يقوم بكي نفسه ، للخلاص من ألم المفاصل ، فيضع على مكان الألم قطعة خاصة من عشب جاف يقال لها ( قدحة) ثم يضع في بطن تلك العشبة ، حبة حمص ، ويولع بها ، وتراه يخرج صوتا كأنه ( زغرودة ) لكن باتجاه معاكس ( للداخل ) وذلك من شدة الألم .. حتى تطق حبة الحمص ، فيعرف عندها بأنه قد أتم عمليته بنجاح .. كان بين أثر الكي والآخر في جسمه لا يزيد مسافته عن ثلاثة أصابع .. وبعد يومين يخرج من جسمه صددا ، فيعتقد أن الألم قد سحب مع هذه الأوساخ ، ولم يدر بخلده وخلد من كان يتعاطى تلك الطريقة ، بأن الأثر الفيزيائي لإحداث الالتهاب هو ما فعل ذلك !

و أحيانا يحضرون عجوزا ، تتمتم ببعض الكلام ، لو راقبه أي عاقل ، لما وجد به أي حكمة ، فكانت تقول ( حوطتك بالله .. والنايمين تحت الشجرة .. لا يأكلون .. ولا يشربون .. عين الولد فيها وتد .. عين المرا بيها (...) ) .. و تتثآئب وتتكلم وتأتي بكلام شبيه بالأول معددة الرجل والبنت الخ .. والغريب أن هناك بعض الحالات كانت تشفى من هذا الفعل ..

لقد اطلعت ذات يوم على بعض كتب الطب الهندي القديمة ، وهم من قسموا طبقات الجلد الى ثلاثة أقسام بعكس ما هو معروف ( البشرة و الأدمة ) .. فقد أضاف أطباء الهند طبقة ثالثة ، هي التي اذا اخترقت هزل الجسم ، وفعل المرض فعله ، وان تحصنت وصمدت صمد الجسم ، لقد قرأت ذلك قبل أكثر من خمس وثلاثين عاما ، ولكنني عندما أرى ما يحدث لإنسان عندما يواجهه صاحبه بملاحظة ، عن لون وجهه أو لون نصفي الدائرتين المحيطتين بعينيه ، فإنه سرعان ما يمرض وتبدأ جولة بحثه في المختبرات وعيادات الأطباء ، عندها أدرك أن الإيحاء له مفعول ضخم على الحالة الصحية ..

فتمتمة العجوز وكلامها الغريب ، ما هو إلا نمط من الإيحاء .. كما أن علاج الثآليل ( جمع ثؤلل ) .. كان بوضع حبة شعير في باذنجانة ورميها في ( مزبلة) فإن نبتت حبة الشعير .. انقطع الثالول وزال .. وقد لمست عدة حالات ، قد زالت عن طريق تلك الوصفة الغريبة .. بمعنى آخر لقد قام الجسم الموحى اليه بتحشيد طاقاته الكامنة و تعاون مع من يقوم بالايحاء للتخلص مما هو فيه .

لقد كان أهل العتيقة الذين تشربوا كل معارفهم الطبية بالمشافهة من جيل لآخر ، والذين كانوا يقدمون على تناول نباتات البراري أو الاحتكاك بها ( على طريقة كلب سجن سالسوري) .. مع تلك الآلام والتعاويذ التي يتلقوها خلال مراحل العلاج من كي و تشطيب للجسم .. تلهيهم عن المرض نفسه .. فكان أقصى ما يطمحون اليه ، هو الابتعاد عن الانقراض .. فقد ثبت عدد سكان العتيقة لمدة سبع وعشرين سنة دون زيادة .. بالرغم من أن أحدا لم يهاجر منها ..

وقد تكون تلك الحكمة ، هي لإحداث التوازن بين كمية الغذاء المتوفر ، وعدد السكان ، فبالرغم من أن مساحة أراضي القرية كانت 18 ألف هكتار ، فكانت بالكاد توفر للمتبقين الغذاء ..
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس