عرض مشاركة مفردة
قديم 12-04-2008, 10:17 PM   #19
السيد عبد الرازق
عضو مميز
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2004
الإقامة: القاهرة -- مصر
المشاركات: 3,296
إفتراضي

الصورة الشعرية عند عبدالله البردوني





تأليف: د. وليد مشوّح, عرض: جاك صبري شماس






يتناول الدكتور وليد مشوّح دراسة أكاديمية هادفة لسبر أغوار الشاعر اليمني الكفيف عبدالله البردوني, وان كان الشاعر قد فقد بصره, فإنه كان يتلمّس الواقع من خلال بصيرته النافذة في أعماق الجنس البشري وذلك باعتماده على حواسه المرهفة التي استطاعت ان تتعرّف على الواقع وان تتوغّل في تفصيلاته, حيث اختار المؤلف المنهج النفسي لدراسته النقدية مصرحا بالأعباء التي تثقل كاهل أي دارس أكاديمي, ومتابعا مسيرة التطور الشعري عند البردوني من خلال المشايعين والمناهضين.


لقد اعتمد الدارس على بابين, وقد احتوى الباب الأول ثلاثة فصول واحتوى الباب الثاني على ثلاثة فصول ايضا. لم يكن البردوني الأديب الذي أصيب بالعمى وأبدع فقد سبقه كثير من المبدعين العرب كبشار بن برد وطه حسين وأبي العلاء المعري وغيرهم وكانت لهم بصماتهم في مدار الأدب النوعي. كان البردوني يحمل السمات النفسانية حيث كان مشاكساً وثائراً وأحيانا مهادنا ومصوّراً بارعا لبيئته وما يختلج فيها من اصطراعات وعادات وتقاليد.


يعتقد العالم النفسي جون استيوارت: (ان العالم الخارجي ليس سوى امكانية دائمة بالإحساس, ويتحول العقل نفسه تحت تأثير قوانين التداعي الى إمكانية دائمة الحس بما تنطوي عليه من مشاعر داخلية, وأفكار وانفعالات واستدلالات).


وعندما سئل البردوني عن كيفية احساسه بالجمال قال: (ليس هناك حس بالجمال المفصول عن الدمامة, وإنما هناك معرفة اختلاف الجميل عن نقيضه. اذ لا يتجلّى وجه الجمال إلا الى جانب وجهه النقيض) فالنور في الشعر البردوني هو السيد الحاكم وهو الذي يلون احاسيسه وينمقها ليطل من خلالها على الحياة التي يعكسها بأصباغ روحه وفكره.


ومن الصور الجميلة التي لها دلالة بالنور من خلال خياله, مادياً وحسياً, اذ يرى الزهر يحتضن الشعاع كما تحتضن ام طفلها وتقبله:


الفجر يصبو في السفوح وفي الربا


والروض يرتشف الندى ويغرّد


في مهرجان النور لاح على الملا


عيد يبلوره السنا ويورّد


لقد امتاز البردوني بذاكرة عقلية موضوعها المعاني والأفكار والصور اللفظية حيث تشكلت شخصيته وتوضحت سماته ومعالمه استناداً الى إمكاناته الذهنية, لقد استطاع ان يخلق صلة بينه وبين المحيط الذي يعايشه فكانت ألوانه سماعية وحروفه صوتية:


لأني رضيع بيان وصرف


أجوع لحرف وأقتات حرف


أتسألني كيف اعطيك شعراً


وانت تؤمل دوراً وجوف


أصوغ قوامك من كل حسن


وأكسوك ضوءاً ولوناً وعرف


لقد كانت لقصصه الشعرية خصوصية بردونية بحتة يشعرها ويتحسسها قارىء شعره او أي ناقد متخصص في صناعة معيارية دقيقة لتحليل الشعر استناداً الى المنهج النفسي او التاريخي وشاعر مثل البردوني يمتلك ذاكرة خصبة يستطيع ان يقدّم لوحة شعرية يرسمها من خلال مشاعره الجياشة يقول:


في هجعة الليل المخيف الشاتي


والجو يحلم بالصباح الآتي


والريح كالمحموم تهذي والدجى


في الأفق أشباح من الإنصات


في ذلك الليل المخيف مضى فتى


قلق الثياب مروع الخطوات


لقد آمن البردوني من خلال مجالسه ومقولاته الصحفية, وفي السوامر والمقابلات التي أجريت مع في صحف ومجلات ودوريات الوطن العربي بضرورة تفرّد الأديب بشخصيته لان التاريخ يأخذ مساره من الاجتماعية الى الفردية, وكان البردوني مؤمناً بارتباطه بواقعه الاجتماعي.


ان الهدوء مطلب روحي من مطالب الكفيف, والكفيف هنا شاعر يحب ان يؤثر الصمت أي أكثر من الهدوء ثم يعود الى عملية التأمل والاستغراق, حيث يفلح في تصوير نفسه من خلال معان ترصد شخصيته وسلوكه وتصرفاته بقوله:


سهدت فأصابني جميل سهادي


فأهرقت في النسيان كأس رقادي


وسامرت في جفن السهاد سرائرا


لطافا كذكرى من عهود وداد


ونادمت وحي الفن أحسو رحيقه


وأحسو وقلبي في الجوانح صاد


وللبردوني نظرة فلسفية فيما يخص الموت وهو القدر المحتوم على البشرية لقد أصيب بالجدري وهو طفل, وكان يسير هائما في شوارع صنعاء لا يدري متى تدهسه سيارة أو تطأ جسده بهيمة, لذلك تعامل مع مقابلة الموت على طريقة الشاعر الذي يعي الوجود دنيويا وأخرويا:


كل غصن له مذاق جديد


كالمليحات كل أخرى جديدة


كيف لست الذي قصفت صباها


وصباه ان المنايا عديدة


تسبق القتل او تليه وآنا


تمتطي صهوة الحروف المبيدة


يا مميتي من ذا يميت المنايا


كالقوى تأكل الأشد الشديدة


لقد كان البردوني أسير الواقع الحرفي المباشر, وكان يرتدي رداء شفافا من الرومانسية, وكان على رأس هذه المدرسة الرومانسية, حيث جسّد الواقع اليمني الراهن بل يكاد ينطق من خلال هذه التهويمة الرومانسية: متى كفني هنا وتبكي على ما


كل شيء لا يستحق اهتماما


القضايا التي أهاجتك أقوى


من أغانيك من نواح الأيامي


خلف هذا الجدار تشدو وتبكي


والزوايا تندى أسا وجثاما


ان الشاعر رغم فقدان بصره فإنه يستطيع ان يتلاعب بالمفردات وينشىء حواريته الشعرية التي تصل الى مستويات مختلفة, مسرحية او تمثيلية, او مسلسلة مسموعة:


من أنت واستبقت جوابي


لهب يجن الى التهاب


من أنت عزاف الاسى


والنار قيثار العذاب


وعلى جبينك قصة


حيرى كديجور اليباب


ان بعض المحسنات البديعة والأساليب البيانية التي أسرف فيها الشاعر وكذلك الجمع بين المتناقضات, قد أكدت حيوية صوره الشعرية وقدرته على إعادة تخصيب تربته الشعرية بعد ان أحدث علاقة مع الألفاظ من خلال رؤيته الشعرية الخاصة, وفلسفته ونظرته للحياة:


ليس بيني وبين شيء قرابهْ


عالمي غربة زماني غرابهْ


ربما جئت قبل او بعد وقتي


او أتت عني فترة بالنيابه


غيرت وقتها الفصول أضاعت


أعين الشمس والنجوم الثقابهْ


يقول المؤلف الدكتور الباحث وليد مشوح في خاتمة دراسته الاكاديمية (وقد حاولت ان اقدم جانباً ادبيا واحدا في دراسة البردوني حيث تصديت لمبادلات العاهة مع الإبداع لدى الشاعر, واتخذت المنهج النفسي منارة في بحثي هذا, فان وفقت فالله حسبي وان أخطأت فجلّ من لا يخطىء, ولا حول ولا قوة الا بالله وهو المولى, وهو النصير والحمد لله رب العالمين).


ان المؤلف من خلال خاتمته يكبر في عين القارىء العربي لما يتميز به من تواضع, وهذا التواضع هو من سمات الدارسين الموضوعيين والمنطقيين من خلال تعاملهم الجاد مع دراستهم.


--------------------------------------------------------------------------------



نقلا عن بيان الثقافة

الأحد9 ذو الحجة 1421هـ 4 مارس 2001 -العدد60

/
السيد عبد الرازق غير متصل   الرد مع إقتباس