عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 20-12-2014, 12:43 PM   #9
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,417
إفتراضي

النزوع لاستعباد الآخرين


(1)


قد تكون مسألة التلذذ بتعذيب الآخرين أو إهانتهم ترتبط بمسألة الجوع للسلطة، ولا يُشترط بالسلطة ـ هنا ـ أن تكون لها علاقة بالحكومة أو نظام الحكم.

صحيح، ما أن يكتشف موظف الحكومة ـ حتى لو كان من الدرجة العاشرة ـ أن مراجعه من المواطنين مهزوز أو مرعوب، فيبتدئ بتجريب وسائل التمتع بالتسيد عليه: أخرج يدك من جيبك، لا ترفع صوتك، تعال بكرة الخ. لكن، يحدث ذلك مع سائق تكسي عندما تكون هناك أزمة مواصلات، فإنه يلف حول الواقفين بانتظار سيارة عدة مرات، وعندما يؤشر له أحدهم ليحمله معه، فلا يرد إلا بحاجبيه أو رؤوس أصابعه بالرفض! ويحدث مع الخباز وغيره.

والاستعباد درجة قصوى من درجات استخدام الإنسان للإنسان التي تتدرج من:
الأجير: وهو الإنسان الذي يعمل لصالح إنسان على أجر (جزاء) متفق عليه، وفي التنزيل{ قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين}.
والعامل: هو الذي يتولى أمراً من أمور غيره في الإدارة والتنفيذ {والعاملين عليها}.
والخادم: يُقال للذكر والأنثى، واستخدمه: سأله أن يخدمه، وقوم مخدومون: يُراد بهم كثرة الخدم والحشم. والحشم بالمناسبة هنا: تعني الذين يغضبون لأجل سيد وقد يكونوا من العبيد أو الأهل أو الأقارب أو الجيران.
أما العبيد والرقيق والقين: فهم أدنى فئات المستخدمين، فالعبودية أصلها الخضوع والتذلل، والناس سواء كانوا سادة أو رقيق كلهم عبيد لله، وفي التنزيل {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}. وكلما كان الإنسان مجتهداً في عبادة الله سبحانه، كلما ابتعد ونأى عن استعباد أخيه الإنسان. وفي الحديث النبوي الشريف ( لا يقل أحدكم عبدي وأَمَتي بل عليه القول: فتاي وفتاتي) والعبد هو المستخدم كرها لا طوعا كالأجير.

والرقيق نقيض الغليظ والرق هو الجلد الرقيق وفي التنزيل { في رِقٍ منشور}. أما القين فهو الحداد هذا في اللغة، وقد أورد العلامة جواد علي في موسوعته (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام)، أن اليهود والغرب يذكرون في كتاباتهم العرب باسم (Saracens) ويرجعها الدكتور جواد الى أصلها العبري والعربي فيقول: أنهم يقصدون عبيد سارة.

(2)

عُرف الرِق والاستعباد منذ القدم، ومن يطلع على شرائع حمورابي يجد مواد كثيرة تعني بالعبيد وكيفية التعامل معهم. كما عرفت الهند ومصر القديمة الرق والاستعباد. وعرفت اليونان وروما قديماً تلك الظاهرة، وقد شهدت الإمبراطورية الرومانية ثلاث ثورات للعبيد في أعوام 135ق.م التي قادها العبد السوري الأصل (يونوس) واستولى فيها على عدة مدن؛ وثورة104؛ وثورة73 قبل الميلاد التي قادها (سبارتاكيوس)، التي قامت بسبب تلذذ الحكام بطرح الأبطال العبيد لتمزقهم الأسود والنمور في مسارح الترفيه.


أما الرق في الإسلام، فهو امتداد للرق فيما قبل الإسلام، وقد رأينا في كتب التاريخ الموالي والعبيد كيف كانت لهم أدوار خطيرة في بعض الأحيان، فمن (وحشي: قاتل حمزة) الى بلال الى صهيب، وتتدرج المهام حتى عهد ابن طولون ومن ثم دولة (المماليك!).

كان المصدر الرئيسي للرق في الإسلام الحروب التي خاضها المسلمون ضد الدولتين الفارسية والبيزنطية، فإذا انتصر المسلمون عادوا بأسرى وسبايا وأطفال، حتى وصل سعر العبد (الأسير) الى درهم واحد عندما يكونوا بالكثرة،(كما يقول المسعودي). وقد كانت العائلات الميسورة تقتني العبيد من شتى الألوان، وحتى أن أمهات بعض الخلفاء كانت جواري (أم ولد)، كالمنصور والمأمون مثلاً. وقد بقيت بعض المناطق تدفع خراجها للدولة الإسلامية، بشكل رقيق وعبيد حتى القرن الرابع الهجري.

وكان العبيد يُقسمون الى قسمين: عبيد البيوت وهم الخصيان، وهم أحسن حالاً من النوع الثاني، وقد عاشوا منعمين قريبين من طيب الطعام وغيره، والقسم الثاني وهو كُتل العمل الضخمة، وكان وجودها في العراق بمنطقة الوسط والجنوب، وكانوا يعملون في (السباخ) وكشط وجه الأرض للوصول الى التربة الصالحة للزراعة، وكانت ملكية بعض الموسرين من العبيد تصل الى خمسة عشر ألف عبد.

لقد قام الزنوج بعدة ثورات، أولها كان في عهد مصعب بن الزبير في القرن الأول الهجري، فاحتلوا بها المدن والمزارع. وكان آخر ثوراتهم وأقواها وأطولها أمداً، إذ استمرت أربعة عشر عاماً، ولهم من المقاتلين ثلاثمائة ألف مقاتل مدرب، واحتلوا مدنا، كان ذلك بين عامي 255هـ/869م ـ 270هـ/ 883م. تحت قيادة ما سُمي بصاحب الزنج (علي بن محمد)، والذي ادعى أنه من نسل علي بن أبي طالب، ولكن هناك من اعتبره فارسي ذا نزعة شعوبية أراد تحطيم الدولة من خلال إثارة القلاقل.

(3)

لقد ورد بالقرآن الكريم الكثير من الآيات التي تقرن العقوبة بتحرير الرقبة، وكأن الحق تعالى أراد أن يجعل من تحرير الرقاب عقوبة سلسة للتخلص من العبودية والرق، ولكنه لم يجعلها مرة واحدة، وترك للرسول صلوات الله عليه أن يجعل من السلوك الأخلاقي للصحابة عنصر المبادرة في تحرير الرقاب.

لقد ورد في الآية 25 من سورة النساء { ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ...}، ثم يوصي في الآية 36 من نفس السورة {...وبالوالدين إحسانا... وما ملكت أيمانكم}. وفي سورة البلد {فكُّ رقبة}، وفي سورة المجادلة والمائدة اقترنت الكفارة بتحرير الرقاب.

أما الرسول صلوات الله عليه، فله أحاديث تدلل على الرفق بالرقيق، (( اتقوا الله في الضعيفين: المملوك والمرأة))؛ وقد ورد للإمام الغزالي في هذا المعنى قوله ( كان آخر ما وصى به الرسول صلوات الله عليه أنه قال: (( اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم، أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون، فما أحببتم فامسكوا، وما كرهتم فبيعوا، ولا تعذبوا خلق الله فإن الله ملككم إياهم ولو شاء لملكهم إياكم))*1

لكن، ما الذي حدث مع كل هذا النهج الواضح في الدين؟ إنه النزوع للاستعباد عند العباد الذين لم يحسنوا عبادة الله، ويتبين ذلك من الطفل الجاهل الذي يتمتع بشتم وضرب الخادمة في أيامنا هذه. ويتبين كذلك من الذي أنعم الله عليه من خلال مهنة معينة كعمل البناء أو المطاعم أو غيرها، فينصرف عن العمل ويأتي بأشخاص وافدين أو من أهل بلده ليمارس إطلاق الأوامر عليهم!

هوامش
*1ـ الغزالي/ إحياء العلوم ج2 صفحة 199 طبعة بولاق.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس