عرض مشاركة مفردة
قديم 28-01-2008, 10:10 PM   #9
عصام الدين
عضو جديد
 
تاريخ التّسجيل: Dec 2000
المشاركات: 829
إفتراضي

لعل أصدق كلام يحضرني وأنا أنتهي من قراءة هذه "الدراسة" أعلاه هو استنكار ما ذهبت إليه كاتبتها في الحكم على النتاج الأدبي، سواء كان حداثيا أم لا، بمعايير لا تمت له بصلة.
لكأننا نستفتي الجزار في أمر النجارة أو نستشير الطبيب في بناء العمارة.
ربما غرقت صاحبتها في لغة التراث أو كتابات الأجداد واعتبرتها مقدسة لا يأتيها الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتناست شعراء الخمريات عندنا وأبطال القوافي الذين عاثوا في الجسد وهاجوا وماجوا.
النص الأدبي لا علاقة له بالمعيار الأخلاقي يا أصحابنا ولا ينبغي الخلط بينهما أو جعل هذا تابعا لذاك أو في خدمته..
الأدب.. من أجل الأدب.
ولعل أسوأ بدع عصرنا هو ما صرنا نسمعه من كلمات من قبيل : الأدب الإسلامي.
لكأننا سنقابله بالأدب المسيحي واليهودي، والبوذي والزرادشتي.. والأدب الكاثوليكي والبروتستانتي.. والأدب الملحد.
لم لا ؟
إن أجدادنا ما سموا الأدب بتلك التسمية إلا لكونه نشأ مع المؤدبين.. والمؤدب تسمية قديمة تعني المعلم.. أو الأستاذ بلغة اليوم.
وإخوان الصفا أطلقوا تسمية الأدب على كافة العلوم من الرياضيات إلى السحر إلى الشعر والكيمياء.
وابن خلدون عممه على سائر العلوم دينية كانت أو دنيوية.
حتى لا يخلط أحدنا في التسمية.

ان المقابلة بين لغة التراث، ولغة الادب الحداثي الجديد تشهد احتداما من نوع اخر، ففي الوقت الذي كانت لغة الادب ظلا للغة النصوص الدينية على مدى قرون تحاول الان هذه اللغة الجديدة ان تعيد قراءة تلك النصوص ولعل الصراع الوحيد الدائر في المحافل الادبية المعرفية الحديثة يدور حول هذه المسألة (مسألة البلاغة) وهو صراع يصفه نصر حامد ابو زيد بأنه (معركة وجود تدور على ارض البلاغة).
والمشتغلون على الأدب اليوم يتساؤلون بعد ان تراجعت البلاغة بوصفها معيارا: هل اصبحت اللغة هي المعيار؟ او بالضبط ما هي المعايير الجمالية الجديدة للغة الادب؟.. ليس بامكاننا العودة الى التراث/ البلاغة بل لابد من البحث عن بدائل تصلح ان تكون اساسا للمفاضلة او التقييم.
لقد قدمت الدراسات النقدية الجديدة مفاهيم تصلح ان تكون دليلا جماليا لفهم الادب او النصوص ومن بين هذه المفاهيم مفهوم (الانزياح) او بلاغة الانزياح تحديدا التي يمكن ان تعد تطويرا وتنويعا لبلاغة (المجاز) في البلاغة التقليدية.
كما ان الاحداث التاريخية المهمة وبالاخص الحروب الكارثية التي عاشها الانسان لابد ان تجري تغييراتها على مساحة التذوق إذ لم تعد هناك مساحة شاسعة بين القبح والجمال، الامر الذي انشأ ما يمكن تسميته (ذائقة مركبة).. واذا كانت هذه الرؤية جمالية صرفة فهي لابد ان ترسل انعكاساتها على نظرية الادب وهذا ما حصل بالضبط في عموم الادب العالمي وتياراته التي ما تزال فاعلة حتى هذه اللحظة.
نبقى مع الذائقة.. لقد تم اعتبار (استجابة القارىء) نظرية توفر مساحة من الحرية لفضاء النص المكتوب بحكم ان القارىء هو المالك الوحيد لحاضر النص بعد ان (مات المؤلف).
والسؤال ـ هنا ـ هل يمكن ان نعد (استجابة القارىء) هي المعيار؟ ان هذه المسألة تعيدنا الى ما يوحي بـ (الانطباعية) التي تجاوزها النقد الجديد/ النقد الذي اراد ان يقترب بمفاهيمه الى العلمية الصارمة/ العلمية التي تقع بالضد من الانطباع والانطباعية.
وعلى ضوء ذلك.. لا يمكن أبدا اعتبار هذه الدراسة علمية أبدا. لكونها لا تتحدث سوى عن أخلاق متجاوزة في الأدب..
إن معضلة غياب المعيار تتعدى حدود النقد او المعرفة الى حدود اخرى تلامس التطورات الهائلة التي حدثت في العالم وبذلك تصبح ازمة المعيار ازمة قيمية (نسبة الى مفهوم القيمة) ازمة الارتداد من النظام الى الفوضى.

أعود إلى مقدمة حديثي.. مثلما لا يمكن إستدعاء جزار الحي إلى البيت لصنع النوافذ.. كذلك، لا يعقل استدعاء الأخلاق والمثل من أجل نقد النص الأدبي.

وعاش الأدب.. من أجل الأدب. فقط لا غير.
__________________

حسب الواجد إقرار الواحد له.. حسب العاشق تلميح المعشوق دلالا.. وأنا حسبي أني ولدتني كل نساء الأرض و أن امرأتي لا تلد..
عصام الدين غير متصل   الرد مع إقتباس