عرض مشاركة مفردة
قديم 15-02-2014, 12:27 PM   #8
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

الدساتير وأثرها في تسيير البلاد


في السنوات الثلاث الفائتة، ثارت نقاشات حول الدستور بحجم كبير ، لم تكن تثار بذلك الحجم من قبل. في ثورتي تونس ومصر: هل الدستور أولاً أم انتخاب البرلمان والرئيس؟ وعندما تصاعدت الأمور لتصل الى ما وصلت إليه، عزى البعض الى الارتباك الحاصل في تلك الثورات يعود الى المسألة الدستورية وتوظيفها بشكل جيد..

لنرى، ما هو الدستور؟ وكيف يُكتب؟ ومن يكتبه؟ ومتى يُعدل؟ وما هي الآثار المترتبة على الأخطاء الواقعة من سوء نصوصه أو من سوء الالتزام به؟

ما هو الدستور؟

الدستور كلمة ليست عربية بل فارسية تعني (دست: قاعدة) و (وور: صاحب)،وقد تكون من كلمة (إدستر) وهي فارسية أيضاً وتعني الخيط الذي يستعمله البَنَّاء لجعل البناء مستقيماً*1. وقد أخذ العرب عن الأتراك تعريبه، ويعني أبو القوانين، أو القاعدة التي تنطلق منها القوانين.

يتناول الدستور عدة مسائل: منها تعريفية تعني بالهوية وطبيعة نظام الحكم واللغة والعلم والحدود؛ ومنها تقريرية: حدود حقوق الإنسان وإتباع الديانة وحق التملك الخ؛ ومنها تنظيمية من يصل للحكم وكيف ومتى يجب تنحيته ودور البرلمان ودور الشعب الخ. فلذلك تخضع كل التشريعات التي تصدر في الدولة للدستور من حيث الشكل والمضمون.

متى ظهرت الدساتير ؟

لم تعهد البشرية مسألة (الدساتير المكتوبة) قبل عام 1776 في الولايات المتحدة الأمريكية حيث كُتب أول دستور في العالم ثم تلاه الدستور الفرنسي عام 1791. أما في البلاد العربية والإسلامية فكان أول دستور مكتوب عام 1876 في أواخر عهد السلطان العثماني عبد العزيز (الشهيد: أو البخت سز: بِلا حظ) حيث حول الإمبراطورية من مملكة استبدادية الى دولة ملكية دستورية برلمانية، وعرف ذاك الدستور باسم (التنظيمات: أي الإصلاحات)*2

أما في البلدان العربية، فكان أول دستور لمصر عام 1882 في عهد الخديوي توفيق، وكان مكوناً من 53 مادة. أُبْطِل العملُ به من قبل سلطات الاحتلال الانجليزي، ثم وضع دستور عام 1923، وبقي حتى عام 1952. في لبنان وضع دستور من قبل سلطات الاحتلال الفرنسي عام 1924، ولا تزال معظم مواده دون تعديل. وباستثناء السعودية وعُمان، فقد وضعت الحكومات العربية المستقلة دساتير لها، تتشابه في (البسملة) والديباجة، وذكر الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع، وذكر اللغة والانتماء للأمة العربية.

هذا، وأن هناك دول كبريطانيا مثلاً ليس لها دستور مكتوب، بل حزمة أعراف تحدد سير البلاد، كذلك الكيان الصهيوني، فليس له دستور ولا لكيانه حدود!
ما هي العلاقات التي يتناولها الدستور؟

لكل دولة عدة مستويات من (التراتب) الوظيفي؛ 1ـ الشعب: وهو عموم المواطنين بكل أطيافهم، ويشكل أسفل أو قاعدة هرم الدولة. و2ـ الأحزاب والإعلام والمجتمع المدني. و3ـ الجهاز البيروقراطي المليء بالأفراد والوظائف التنفيذية. و4ـ الحكومة بسلطاتها الثلاثة التنفيذية والقضائية والتشريعية. و5ـ رأس النظام أو رأس الهرم.

الدستور يضع الأسس في وضع العلاقات بين تلك المراتب، حقوقها وواجباتها. وتقوم الأحزاب بإعلامها ونشاطها بمراقبة ضبط سير العلاقات بين الأطراف كلها ومتى يتم تجاوزها فتفضح المخالفات، فتسقط حكومة أو حكم. هذا في الدول التي اكتمل فيها بناء مؤسسات وتنظيمات الدولة والمجتمع.

التعديلات الدستورية

عادةً، مَن يكتب الدستور، هم من وصلوا لقمة السلطة، ويجتهدون في أن يرضي الجميع، ولكنهم لن يرضوهم، فمجرد ما أن تختل قمة هرم السلطة حتى يتغير الدستور بالكامل (الكونغو مثلاً: تعدل من عام 1967 الى عام 1980، سبع مرات). وهذا شأن معظم الدول النامية التي تتعرض لاضطرابات سياسية.

في تركيا، جرت عدة انقلابات عسكرية، كان أولها عام 1908 ضد السلطان عبد الحميد الثاني، والثاني عام 1960، والثالث عام 1971، والرابع عام 1980. وكل تلك الانقلابات كانت تفضي لمكاسب دستورية لصالح الجيش المكون من (761 ألف مقاتل و 36 ألف ضابط)*3. ثم توقفت المكاسب الدستورية بعد وصول (تورغت أوزال) للحكم عام 1983، ورغم أنه كان عدواً لدودا للتيار الإسلامي في تركيا (حزب الرفاه آنذاك)*4، إلا أنه خدم ذلك التيار من حيث لا يدري في التعديلات الدستورية.

لقد بات الإسلاميون الأتراك يحسون بأنه لن يكون هناك انقلاب عسكري مرة أخرى بعد معارك الدستور وتعديلاته التي رجحت كفة المدنيين على العسكريين وحدت من تسلطهم، خصوصا تعديلات 2004، التي استثنت رئاسة مجلس الأمن الوطني من الجيش ليصبح مدنيا، وحجبت سلطة الجيش على الإعلام والتربية وغيره، وسمحت لمناقشة ميزانية الجيش ومحاسباته المالية في البرلمان.

وكان الصراع طويلا وشاقاً، اكتسب فيه الإسلاميون مراساً للمناورة والبقاء حتى ولو بأسماء مختلفة عن أصل اسم الحزب، واستفادوا من مراقبة الاتحاد الأوروبي لهم لتحجيم دور العسكر من أجل التحاق تركيا بالاتحاد الأوروبي. فهل يمكن للحركات الإسلامية السياسية العربية أن تتحلى بالصبر لإدراك ما وصل إليه الأتراك؟





هوامش
*1ـ مجيد محمد/ معجم المصطلحات والألفاظ الأجنبية في اللغة العامية العراقية/ بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة (1990) صفحة 20.
*2ـ محمد المجذوب/ دراسات قومية ودولية/ بيروت: مؤسسة ناصر للثقافة 1981 صفحة 31.
*3ـ إبراهيم خليل أحمد و خليل علي مراد/ إيران وتركيا: دراسة في التاريخ الحديث والمعاصر/ جامعة الموصل 1992 صفحة 285.
*4ـ الزركلي/ موسوعة الأعلام ملحق المجلد الأول ـ صناع القرار في تركيا صفحة 25.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس