عرض مشاركة مفردة
قديم 10-01-2012, 12:30 PM   #15
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

(43)

تسعٌ وخمسون يوماً مضت، وهو لم يرَ ضوء الشمس، كانت اللقاءات مع المحققين خلالها قليلة جداً، أربعة لقاءات فقط، لم تكن الأسئلة والمطالب من المحققين تتلاءم مع تلك المدة. وفي اليوم الأخير تم اللقاء ثلاث مرات، كل مرة لا تزيد عن بضعة دقائق، طلب فيها المحققون توقيعاً بالتعهد بعدم دخول أي انتخابات بلدية، نقابية، برلمانية بصفة حزبية...

بعد أقل من ساعة، وبعد أن تم سحب همام من الزنزانة، كان علوان يقف أمام غرفة تسليم الأمانات، وبعد أن استلم أماناته، كان في شارعٍ مشمسٍ، تسير فيه المركبات، والسابلة. أراد أن يسير أطول مسافة ممكنة، لكن حنينه لذويه برز فجأة ليوقفه عن السير، فالتفت وجد صالون لحلاقة الرجال، فدخله على الفور.

لم يكن في الصالون زبائن، بل كان الحلاق يقتل وقته في التمعن بتسريحة شعره، أو التفكير بابتكار تسريحات، وكان على يمينه قرب الباب قفصٌ به أحد الطيور ضئيلة الحجم المغردة..

أجلسه الحلاق حيث كان يجلس، فواجهته صورته بالمرآة وكأنه يقدمه للتعارف مع شخص تهيأ له أن الحلاق ظنه لا يعرف من في المرآة. تأمل في هيئته، وعدم انتظام حلاقاته السابقة ووجهه الذي كان يبدو شاحباً كشمراخ عود ذرة نما في الظل، وكاد أن يعتذر من الحلاق، ويقول له أين كان ولماذا غدت هيئته كذلك، ولكنه لم يفعل، فقد أوقف تهيئه للاعتذار صوت العصفور المُغرِّد داخل القفص.

يا لهذا العصفور، إنه يغرد وهو موضوع في قفص لا يعادل حجم فراغه جزءاً يسيراً من المتر المكعب، ومع ذلك يغرد، ويقفز من عودٍ ثُّبت بهذا الطرف الى عودٍ ثُّبت في طرف آخر، إنه لا يمل ولا يتذمر، ولا يفكر بالتكاثر أو الثورة الى الخروج للحرية، ومن يدري فلعل خبراته التي اكتسبها تُشعره أنه في القفص أكثر أمناً من خارجه، أو أنه وضع لنفسه هدفاً من الحياة في أن يغرد فقط، وما دام لا أحد يمنعه من تحقيق هدفه، فلماذا يتذمر؟

(44)

امتلأت الدار بزوارٍ كُثُر، وتغيرت معها نكهة الدار، فالأمكنة تأخذ نكهتها ممن يشغلون حيزها، فنكهة (ستاد) رياضي تكون وقت مباراة نهائية بين فريقين مشهورين، غيرها عندما لا يكون فيه أحد، والأسواق في أواخر شهر رمضان، غيرها في ظهيرة يومٍ مشمس من أيام الصيف...

نساءٌ في عمر والدته أو أقل تحمل بعضهن عُلب من الحلوى بعضها استلمته بعضهن في مناسبات مختلفة، شيوخٌ يعرف ملامح وجوههم قبل عدة سنوات، شبابٌ يحاولون التشبث في مرحلة الشباب، أطفال مع ذويهم أحضروهم حتى لا يعبثوا في ترتيب أثاث منازلهم...

من المؤكد أن أهداف تواجدهم في هذا المكان لم تكن كلها تعاطف مع إطلاق سراح مُعتقل، فكثيرٌ منهم لا يعرف عن الاعتقال السياسي شيئاً، وبعضهم لم يعرف أين كان علوان أصلاً...

كانت الأحاديث تتم مثل البرقيات، كيف حالك؟ إن شاء الله ما ضايقوك؟ من حقق معك؟ هل رأيت فلان؟ هل بقي جواز سفرك المنتهي لديهم؟ بماذا تفكر الآن؟ وماذا ستختار من الأعمال؟ وكيف ستقضي وقتك؟ والغريب أنه في بعض الإجابات يستخلص السائل صوراً وتفاصيل لم يستطع علوان استخلاصها طيلة مدة اعتقاله، فمجرد أن يعطي وصفاً تقريبياً لأحد المحققين، حتى ينطق السائل أو من يجاوره في اسم المحقق ومتى انتسب للمخابرات وأين كان! وقد قيل عن المحقق الأول أنه من قرية قريبة من بلدة علوان، وأن زوجته بنت فلان، وعندما يوصف المحقق الثاني يبادر أحدهم بالكشف عن اسمه، إنه عماد ابن مسعود الطويل من قرية دير القمح، شقيق مدير الأراضي في المحافظة، كان رئيساً لاتحاد الطلبة في دمشق وقد كان مجنداً أصلاً في المخابرات!

تأمل علوان في أحاديث زوَّاره وتعليقاتهم، وحاول ربطها بما رآه في المعتقل، فكان كل محقق يساوره الشك أنه معروف، حتى لو لم يعلن عن اسمه، وهذا ما كان يجعله يتحسب للقاء منتظر مع من يحقق معه!

(45)

ذهب الجميع، وبقي علوان بين أفراد أسرته، كان يحس أنهم لم يحسموا تصنيف مشاعرهم تجاهه، هل هو مشروع مُناضل؟ أم مشروع عابث؟ كما تهيأ له أنه هو نفسه في حالة من عدم الحسم تجاه ما هو فيه... كان يسمع أصوات وأسئلة معظمها لم يُخطط لصياغتها بشكل يتطلب إجابات فورية، وكان يتعامل معها بإجابات أو تعقيبات تتناسب مع عدم دقتها...

وجه والده خلا من أي علامة تفشي ما يُفكر به، ووجه والدته طغى عليه الرضا بأن ابنها لا يزال على قيد الحياة، ووجه زوجته الشاحب أعاد إليه رجوع زوجها محفزات الشروع بالأمل، أما وجه طفلته التي لم تبلغ الأربع سنوات بعد، فكأنه كان يتشكك من صلة هذا الرجل بها، ووجه طفله الذي لم يبلغ الثلاث سنوات كان في عالمٍ آخر لا يعنيه ما دار ويدور حوله..

في لحظات الصمت القصيرة، كانت تقفز لذهنه تساؤلات كثيرة ومتشابكة، هل السببية تسكن فينا، أم تجاورنا؟ وهل نون الجماعة تقتصر على أفراد تلك الأسرة الجالسين حوله أم تتعداها الى ما خارج المنزل؟ وإن تعدتها أين حدودها النهائية؟ هل هي في الحي أم في البلدة أم في الوطن أم تمتد الى ضفاف الأطلسي وبحر العرب؟

أحس أنه على محكٍ أكثر جدية من كل ما مر به سابقاً، فليس لديه الخيار، لأن ما سيُفرض عليه ليس جزءاً من شيء يمكن أن يختاره عند اللزوم، أو بعض من كلٍ يمكن أن يختار أفضل ما يناسبه منه، بل ما يُعرض عليه هو بُنية متكاملة من كُلٍ متمفصل، لا يُسمح بأي اختيار. وليس للأجزاء وجود خارج الكل، ولهذا (الكُل) منطقه وقوانينه ومقولاته، لم يتدرب عليها جيداً وحتى لم يعهدها، فسيصغي لمن تدرب على تلك المشاهد ممن يقدمون أنفسهم كأصدقاء أو بقايا رفاق، ويقيم ما سيُطرح عليه..

أن يصل الى الخلاص مما هو فيه دون ألم، فهذا من المستحيلات، فكل خطوة يتقدم بها نحو الراحة تتفوق على ما فيه من آلام، مشاكله مثل قِطَعٍ من الكُركُم تحتاج الى دقٍ شديد في (الهاون) وبيدينٍ قويتين، كل طرقة من الهاون تهز كيانه الداخلي وتخلق عنده رغبةً في التخلي عن إكمال مشوار (السحن).
__________________
ابن حوران

آخر تعديل بواسطة ابن حوران ، 10-01-2012 الساعة 01:11 PM.
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس