عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 17-07-2014, 10:53 AM   #4
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,400
إفتراضي

التعددية أم الثنائية؟




قد يستغرب القارئ، أننا نطرح أسئلة لا تلاءم حالتنا العربية، وقد يكون صاحب الاستغراب محقاً في ذلك، كون العرب ـ وإن فكروا بتكوين الأحزاب ـ لا يتعاملوا معها كأدوات للصناعة السياسية كما هي في بلدان كثيرة من العالم، بل يتعاملون معها وكأنها تقليد مُستحق، فلا تختفي فكرة محو الآخر أو مغالبته حتى تصفيته ـ عند العرب ـ في حين تحل المنافسة عند غيرنا من الشعوب محل المغالبة.

مع ذلك، ومن باب عمومية العلم، باعتبارها أحد ركائز النظرية العلمية الثلاث (العمومية، والحتمية، والوضعية)، فإن هذا التقليد سيتطور مع الزمن ليصبح الحزب أداة لصناعة السياسة، فالسيف في العصور القديمة كان أداة للقتال، واليوم قد نشاهده في البيوت معلقاً على الجدران للزينة والتباهي، وهو مثال لا ينطبق كثيراً على حالتنا العربية، إلا إذا عكسناه، فاليوم الأحزاب تأخذ شكل الزينة والتباهي، وفي المستقبل الذي لن يطول كثيراً ستكون أداة للصناعة السياسية.

وعودة الى العنوان: التعددية أم الثنائية، وكيف تؤثر تلك الحالة في تطوير المسئول الحزبي وتحوله الى مشروعٍ لقائد سياسي؟

(1)

قد يتبادر للذهن، أنه إذا سمحت قوانين البلاد أن تُرخص الأحزاب بسهولة، فإنه وعلى (التوافيق والتباديل) يمكن أن يكون في أي دولة أحزاب قد يفوق عددها أعداد سكان البلاد، هذا إذا كان يؤذن للفرد أن ينتمي لأكثر من حزب. ويصبح الحزب لا يحتاج حسب رأي (موريس ديفرجه) إلا الى مقر وسكرتير وختم، وقد يكتفي بالختم دون مقر وسكرتير. وقد حدث هذا في البلدان العربية، عندما تسمح السلطات ـ لأي ظرف، وغاية ـ في تأسيس الأحزاب، فإننا نسمع بأن عشرات الأحزاب قد تكونت، وبعدها بسنة أو أكثر قليلاً، لو تراهن اثنان ممن يتابعون الأحداث على ذكر اسم أو اسمين من تلك الأحزاب، لخسر المتحدي بذكر مثل تلك الأحزاب، لأنه سيخطئ بالاسم المبتذل بنسيان حرف جر أو (أل) التعريف.

الثنائية في المجتمعات موجودة منذ زمن، فهي تأتي على هامش الدين أو الطائفة أو العرق أو حتى التقليد المرتبط بالاقتصاد، (كاثوليك ـ بروتستانت؛ سنة ـ شيعة؛ أمازيغ ـ عرب؛ محافظون ـ يساريون الخ).

والتعددية موجودة هي الأخرى، وبالنسبة للأحزاب ـ وهو موضوعنا ـ فإن هناك، حتى في البلدان العريقة والتي يغلب على ظاهرها الثنائية (عمال ـ محافظون في بريطانيا)، و (ديمقراطي ـ جمهوري في الولايات المتحدة)، فإنه يوجد العديد من الأحزاب الصغيرة الأخرى، ولكن تلك الأحزاب يزول أثرها في الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية، فإن الناخبين والذين ألزمهم نظام الصوت الواحد (في الولايات المتحدة مثلاً) بدفع الناخب الى اختيار أحد مرشحي الحزبين والابتعاد عن تضييع صوته لمرشح من حزب ثالث.

والثنائية ـ عند البعض ـ أفضل من التعددية، لأن الحكومة تكون من حزب الأكثرية الذي لن يتعرض الى مسألة حجب الثقة، وتتعرض الحكومة للابتزاز والرشاوى في تعيينات أشخاص غير أكفاء، مثل حالة ائتلاف ( حكومة تانسون شيلار في تركيا) حيث كانت جلسة الثقة وحجبها تكلف حزبها (الطريق القويم) 2 مليون دولار لكل نائب في البرلمان*1، أو الحالات التي تتم في الكيان الصهيوني وإيطاليا في الحكومات متعددة الأحزاب، أو حتى المهزلة المسماة بالتعددية الحزبية في العراق اليوم.

(2)

في الأحزاب التكاملية (ذات البعد الأيديولوجي)، فإن المسئول الحزبي يكون نشاطه بارزاً، خصوصاً إذا اقترن النشاط الحزبي (الدعائي فكرياً)، مع نشاط إداري كالنقابات والجمعيات والمجالس المحلية والأندية وغيرها.

أما، في الأحزاب التمثيلية كالأحزاب في الولايات المتحدة، فإن قادة الرأي ومؤسسات الإعلام، وجماعات الضغط، هي مَن تقوم بالحشد للأنصار في الانتخابات العامة المختلفة. وتختلف الأحزاب البريطانية عن الأمريكية في أن الناحية المركزية فالمركزية واضحة بالأحزاب البريطانية والأحزاب في بريطانيا أقرب للمفهوم الكلاسيكي للحزب، بعكس الحالة في أمريكا حيث لا تستند الى قاعدة أيديولوجية أو حتى اجتماعية، وأنها تتضمن في داخلها عناصر وعقائد متنافرة تماما.

(3)


لضمان دور الثنائية في أي دولة، يجب أن تبتعد الأجواء عن الثورات الكثيرة والانقلابات على السلطة والألاعيب الانتخابية، وهذا حدث في دول أمريكا اللاتينية في القرن التاسع عشر والعشرين ففي أورغواي، مثلاً هناك حزبان أسسا في عام 1835 هما (حزب كولورادو وحزب بلانكو) وهما يقسمان الى (زمر)، ولكنهما نادراً ما يحدث داخل صفوفهما انشقاق*2.

أما في حالات عدم الاستقرار، فيكون الحديث عن الثنائية والتعددية عبارة عن كلام في الهواء، حالات الانقلابات الثلاثة في تركيا*3، معظم أحزاب أمريكا الجنوبية في أواسط القرن العشرين، الجزائر (بداية تسعينات القرن الماضي) ومصر (بعد مرسي).

وقد تتكون الثنائية في الكثير من دول العالم من مجموعات هائلة من الأحزاب لكنها ضمنا تشكل واحد من اثنين ( الاشتراكيون بأصنافهم في الدول الاسكندينافية)، الأحزاب الكثيرة الإسلامية في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية (ما قبل إبعاد مرسي)، فقد تحالفت ضمنا وشكلت واحداً من اثنين ـ بغض النظر عن هوية الثاني.

(4)

إن المسئول الحزبي الذي يعيش في أجواء سياسية مضطربة، لن يرتقي الى مصاف السياسي أبداً، ولن يكتسب مهارات تؤهله لأن يقود حالة حزبية بشكل سياسي، وسيتحول شئنا أم أبينا، أو شاء أم أبى حزبه، الى عضو في عصابة أو عضو في (مليشيا) أو عضو في عشيرة التي ينطبق عليه وعليها قول عمرو بن كلثوم

ألا لا يجهلن أحد علينا............ فنجهل فوق جهل الجاهلين
ونشرب إن وردنا الماء صفواً..... ويشرب غيرنا كدراً وطينا

أما إذا كانت الأجواء السياسية سليمة، ويسود فيها التنافس بدلا من المغالبة، فإن جدلية التطور واكتساب قدرات الحوار والبحث عن المعرفة ستكون كلها مجالات يصبو إليها المسئول الحزبي الذي يؤهله للارتقاء نحو مشروع قائد سياسي.



هوامش
*1ـ تانسو تشيلار: أول امرأة تشغل منصب رئيسة وزراء لتركيا من سنة 1993ـ 1996، من مواليد استانبول 1946، تحمل الجنسية الأمريكية، ميكافيلية تدرجت بالسياسة بطرق ملتوية، دخلت حزب (الطريق القويم) مع سليمان ديميريل.
*2ـ نظام الزمر أشبه ما يكون بنظام الحكم الكون فدرالي، حيث يستقل كل جزء من أجزاء الدولة إلا في شؤون الدفاع والخارجية، وهذه الحالة موجودة في الأحزاب الإيطالية.
*3ـ موريس ديفرجيه/ الأحزاب السياسية/ترجمة: علي مقلد وعبد الحسن سعد/ بيروت: دار النهار للنشر الطبعة الرابعة 1983 صفحة 223.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس