عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 18-08-2014, 12:26 PM   #9
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,399
إفتراضي

الحوار والنقاش والجدال


(1)


هناك منظومة من المفردات التي تتعلق بالنشاط اللغوي في العمل السياسي، يتوقف حُسن نمو الخاصية السياسية للسياسي على التوفيق في التعامل مع مثل تلك النشاطات المندرجة تحت تلك المنظومة.

فالحوار والجدال والحديث والمناقشة والمناظرة، قد تبدو لأول وهلة وكأنها تشي بنفس النشاط اللغوي، ولكنها تختلف اختلافاً قد يؤدي عدم فهمه الدقيق الى الوقوع في أخطاء قد تهوي بالسياسي من درجة عليا الى درجة سُفلى، حتى تخرجه بالتالي من دائرة النشاط السياسي في مجالاته المختلفة، إذ يكون في مسألة يُطلب فيها النقاش، يلجأ السياسي المتعثر الحظ الى المجادلة أو المناظرة!

الحوار من الجذر (حَارَ)، أي تاه ودار وعاد الى النقطة التي ابتدأ فيها مشواره، ومن هنا الحارات، والدارات مثل (دار القمر) أي الدائرة التي تحيط بالبدر المكتمل، وفي العراق لا زال الناس يستخدمون (الدارة، أو الداير) للتدليل على حي يعرف أصحابه بعضهم البعض، ويستخدم بعض الناس في كلامهم مثل تلك الإشارات فيقولون (يلف ويدور) لمن يعيد في الكلام أثناء حواره مع الآخر.

النقاش: بالأصل مأخوذة من نَقَش بمنقاش أي استخرج شوكة من قدمه أو قدم غيره، فتم الاستعاضة عنها في الكلام، لأولئك الذين يتسلسل أحدهم بالكلام ليستخرج (إقراراً) بحقيقةٍ معينة، يستخدمها ويستند عليها في إتمام كلامه.

والمناظرة: من الجذر (نظر)، فهي بالأصل المعاينة والإشراف، فيُقال: ناظِر المدرسة أو ناظر الحضرة الملكية الخ. ولكنها في الاستعمال الشائع اليوم تستخدم للمباراة في الكلام، فتتم المناظرات بين المرشحين للرئاسة أو البرلمان.

أما الجدل، والمجادلة، فهي لفظ لا يحمل عند العرب براءة المحاورة، بل ينطوي في ثناياه خِصال ماكرة. وفي الفلسفة يشير الى (الدياليكتيك) أو التطور الجدلي، حيث يطرح (أ) فكرة معينة، ويطرح (ب) نقيضها، ويتفقان في نهاية الحوار بعد أن يتنازل كل من (أ) و (ب) عن جزء مما طرح، فيتولد مولود اسمه (المركب)، فيحمله كل من (أ) و (ب) كأنه ذخيرة أو حصيلة ما اتفقا عليه، فيذهب أحدهم الى (ج) ويطرح المركب بصفته فكرة جديدة، فيطرح (ج) نقيضه، ثم يتوصل الطرفان الى مركب جديد، وهذه هي فكرة التطور في المجتمعات التي يحل الحوار والجدل البناء محل الموافقة الكاذبة أو النفاق.

وقد ورد الحوار والجدل في القرآن الكريم بأشكال مختلفة، فيكون بين الله ورسله، وبين الرسل والعباد وبين الناس وأعضائهم وبين الطير والناس الخ.. {ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا}(الكهف 54)؛ {وقالوا أألهتنا خيرٌ أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون} (الزخرف54)؛ {وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا واعز نفرا} (الكهف34)؛ وقد ورد لفظ الجدل والحوار في آية واحدة {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي الى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير} (المجادلة1).

(2)

الأصل بالسياسي أنه يزعم أنه يحب وطنه ويحب شعبه، ومن يحب شعبه، لا يتمنى لهم إلا الخير، وأن يكون السياسي كالأم التي تنظف ولدها الرضيع دون تأفف، وأن لا ترمي به الى المزبلة كونه قذراً، فمن يتهكم على شعبه تسقط مزاعمه في أنه ينشد الخير لأبناء شعبه، حتى لو كانوا في نظره جهلة أو ماكرين، ومن يدري فلعلهم ينظرون إليه أنه جاهل وماكر!

مر على الدولة العربية والإسلامية قرنان من الزمن لم يكن المسلمون فيها إلا ما يقارب خُمس السكان، ومع ذلك فقد تفجرت طاقات الإبداع في كل المناحي، الاقتصادية والعلمية والفلسفية والفقهية، كان العدل يسود فيحس المواطن بالأمان وينصرف الى الإبداع، بل كانت الدولة تجذب المبدعين من خارجها ليظهروا إبداعاتهم وترجماتهم ويتعلموا العربية ويكتبوا ويؤلفوا بها، انظر الى الصابئة من أولاد موسى بن شاكر وثابت بن قرة، وانظر الى المسيحيين واليهود كيف كانوا يخلصوا في أعمالهم بالترجمات والبحوث وغيرها (أولاد حنين بن اسحق؛ وبختشوع) وغيرهم.

لن يكون عادلاً من لم يكن إنسانياً، فمن حابى ابن دينه أو ابن عِرْقه، أو ابن حزبه، على حساب الحق، فإنه ليس إنساناً عادلاً، ولا يؤمن بالله، ولا بأنبيائه، فكل الرسالات السماوية أوصت بالإنسان خيراً، وطالبت بالعدل والقسط، فلذلك جذبت دولة العرب والمسلمين المبدعين من كل أصقاع الأرض، عندما كان يسود فيها العدل، وهاجر أبناؤها من أرض المسلمين عندما ساد الظلم، وهذا ما جعل الإمام محمد عبده يقول قولته الشهيرة عن بلاد الأجانب وجدت فيهم إسلاماً ولم أجد مسلمين، كما لم نجد في بلادنا إسلاماً في حين أنها تمتلئ بالمسلمين.

(3)

يلجأ المحاور الرديء الى أساليب سيئة تنفر الناس من محاورته، ودلائل رداءة المحاور هي:
1ـ الحديث بصوت عالٍ.
2ـ الانتقال من موضوع لموضوع لتشتيت تركيز المحاور.
3ـ عدم الإصغاء للمحاور الآخر، وإن أصغى للحظات فهي لالتقاط الأنفاس، ويكون في أثناء تلك الوقفة يحظر لتوليفة سيئة جديدة.
4ـ الشتائم، ووصف المستشهد بهم بأوصاف غير مؤدبة، عميل، حمار، أخرق، مرتشي الخ، مما يؤذي المحاور الآخر أو يدفعه لتقليد هذا الأسلوب الرديء.
5ـ الضحك أثناء جولة المحاور الآخر والالتفات يمينا وشمالاً من باب السخرية.
6ـ استخدام الأسئلة الاستفزازية والتي تجلب التوريط، كأن يطرح سؤالاً بين لحظة وأخرى: هل أنت ضد سياسة رئيس الجمهورية؟ أو جلالة الملك؟
7ـ الابتعاد عن مناقشة ما يُطرح ودفع المحاور الى زوايا يتقنها المحاور الرديء، فإن أحس المحاور الرديء بجهل محاوره بالجغرافيا أو الدين أو التواريخ، دفع محاوره للوقوع بفخاخ إبراز جهله أو نقص معلوماته بها.
8ـ يحاول المحاور الرديء إشراك الحضور بإطرائهم ومدحهم في الأول ثم تأليبهم على محاوره، كأن يقول بين كل لحظة: اسأل هذا الرجل العظيم الذي يُجمع الناس على استقامته وأمانته وشجاعته، فهو إن لم يكسب هذا الشخص سيضمن (حياده) في المحاورة.

(4)

لا يبتذل المحاور الجيد احترام الآخرين ابتذالاً، بل ينطلق في احترامهم من خلال إيمانه بحق كل مواطن بإبداء رأيه في أمور وطنه، وقد يكون رأي هذا المواطن فيه من المنفعة ما يخدم الوطن، فلماذا يُقمع؟

وقد يكون رأي هذا المواطن مسموماً وكريهاً، فتخليص المواطن من آرائه الكريهة، كغسيل المعدة بعد التسمم بالغذاء، ولكن على المحاور الجيد تبيان رداءة الرأي الذي يحمله محاوره، بالحجة القوية والأسلوب المقبول، فلا يسفه رأي محاوره علناً، بل يوافقه عليه جملة وتفصيلاً، ثم يبدأ بتشريحه ب (لكن) (ماذا لو)، حتى يقر المحاور الآخر بضحالة فكرته ورداءتها.

على المحاور الجيد، أن يبقى على هدوءه ومحاوره يتكلم، ويساعده في التمكن في التعبير، ويقول له بين فترة وأخرى، نعم، أكمل من فضلك، ويسأله دون تجريح أو انتقاص: هل أنهيت حضرتك كلامك؟ ثم يتناول رده بطريقة علمية.

وقد لخص المولى عز وجل فكرة الحوار الجيد بقول الرجل المؤمن في سورة غافر {وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا إن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وان يك كاذبا فعليه كذبه وان يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم} [غافر 28].
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس