عرض مشاركة مفردة
قديم 11-11-2009, 04:43 AM   #504
المشرقي الإسلامي
أحمد محمد راشد
 
الصورة الرمزية لـ المشرقي الإسلامي
 
تاريخ التّسجيل: Nov 2003
الإقامة: مصر
المشاركات: 3,808
إفتراضي

في خضم هذه الحياة ومناوشاتها العنيفة قد يجد الفرد نفسه فجأة قد استسلم لتيار دموع لا يدري من أين أتى ، وقد يرى الدموع فيما يكتب وما أجمل ما كتبه الشاعر المبدع فاروق جويدة إذ قال :
رغم أن الأرض ماتت
رغم أن الحلم مات
ربما ألقاك يومًا
في دموع الكلمات
من هنا يأتي جمال اللحظة الإبداعية من فرادة الحالة ،تلك اللحظة التي هي لحظة صدق مع الذات وشجن لا يعلم المرء من أي الجهات جاءت ، وتلك اللحظة تلهم المبدع حتى يكتب فتشعر بمتعة النفاذ إلى عالمه بل يكتب حتى كأنك تشاهد شريط أحداث هذه الخاطرة ماثلاً بين يديك . إنه جمال الخاطرة الذي يجعل الجوانب التصويرية معبرة عن لحظة معينة ربما تمنيت أن تعيشها أو أتتك لكنك لم تحسن استغلالها ، ولكن مبدعتنا العزيزة أحسنت هذا الاستغلال المشروع لهذه اللحظة ونفذت عليها سلطتها المشروعة في استجلابها إلى حيز الوجود خاطرة لا يُسمح فيها للكتمان أن يبديَ رأيه .
***
قررت أن لا أرسم اليوم أبداً..أعتقت فرشاتي من رحلة ضلالها اليومي من بين أناملي...
وأمسكت ألواني عن هدر دمائها على اللوحات الشاحبة المتعطشة لمذاقها..اليوم..سأكتب فقط بمدادي..

مبدعتنا العزيزة تلعب على وتر الصورة الذهنية إذ تغدو الفرشاة أداة الرسم والتلوين سببًا في ضيق وحزن المبدعة ، هل هي ترسم غير ما يُملى عليها ؟ هل هي فرشاة مبرمجة على صور معينة ، عل النص يكشف عن شيء من ذل .. تبدأ النهاية من خلال البداية الممثلة في الفعل (قرر) والأفعال المضعفة تعبر عن مبالغة في القيام بالفعل ،وكلمة أبدًا جاءت لتوكيد هذا الحزن ، وهذا الحزن جماله يكمن في أنه حين يتلبس المبدعة يجعلها ترى الدنيا بمنظور غير الذي يرى الجميع الحياة بها ، فها هي تي ترى الفرشاة وما ترسمه \تكتبه هو رحلة ضلال.
وأمسكت ألواني عن هدر دمائها على اللوحات الشاحبة المتعطشة لمذاقها..اليوم..سأكتب فقط بمدادي..
وتبدو عملية السرد في صالح النص إذ تستمر المبدعة في الإتيان بالمزيد من الأفعال المعبرة عن هذا التوتر المكبوت ، إذ تغدو الألوان لديها إنسانًا يهدر دماءه ، وتغدو اللوحات وحوشًا تستقبل هذه الألوان . ميّز هذا الجزء تكامل أدوات التعبير ومراعاة النظير إذ الألوان بشر ، اللوحات وحوش متعطشة ، وهذا يجعل النص يتسم بالتماسك .

لكن المفاجأة الكبرى تكمن في العبارة الأخيرة اليوم ..سأكتب فقط بمدادي .
إذ تغدو مشكلة هذه الكاتبة طيلة هذه المدة من المعاناة وسبب شعورها بالرغبة في الامتناع عن الرسم هو شعورها أنها كانت مفقودة الكينونة إذ أن مدادها الذي ترسم به أو تكتب به ليس لها . كذلك الحالة تغدو مشاعرها التي تشعر بها مشاعر وهمية إذ تتوحد في الآخر فتشعر بمشاعره هو مزيحة مشاعرها الحقيقة ،تلك التي ستبدأ هنا فقط في اللجوء إليها والبوح بها.

أسدلت ستائري المظلمة..ووهبت شمعة بعض اشتعالي فراحت تنتحب بجواري و تبكيني قبل أن أبكي تلاشيها

جميل أن تضع المبدعة الخلفية لدى المتلقي إذ أنها تستقي من كل ما حولها عناصر تكوين الخاطرة ، تلك الستائر المظلمة جاءت إشارة رمزية إلى النفس إذ تكون النفس كالبيت مسدول الستائر المظلمة ، وإن كنت أرى أن الستائر لم تكن منيرة من قبل حتى تكون في هذه النص مظلمة لهذا أتت كلمة مظلمة زائدة .
وإلى ذلك تتراكم وتطّرد إيقاعات الحالة فبعد التنحي عن الكتابة ، وفي لحظات الصفاء الاستثنائية التي يشعر فيها الإنسان بالشجن يجد كل شيء من علامات الصفاء والطُهر مرتسمًا فيه لذا تأتي عبارة وهبت شمعة بعض اشتعالي لتعبر عن هذه الإنسانية المتدفقة في إطار ترى المبدعة فيه نفسها واهبة كل ما تملك لمن حولها لاتبخل عليهم بشيء لكن لنلاحظ كلمة اشتعالي وليس ضوئي مما يعني أن المبدعة قد أرهقتها الحياة وقد وصلها الاشتعال (الإرهاق) لكن لم يصلها النور وفي هذه العبارة مواساة للنفس وتشبيه النفس بالاشتعال الذي يوقد الشمعة هو من ضروب التشبيه المقلوب الذي يقوّي المعنى كأن تقول كأن الأسد زيد ، إذ يتبادل المشبه والمشبه به الأماكن والدلالات .العبارة كانت عبقرية للغاية إذ أن الشمعة تنتحب وتبكي المبدعة قبل أن تبكي المبدعة تلاشيها .
إن المبدع هو الذي يحسن قراءة الأشياء ويربطها بواقعه النفسي ، وفي هذه العبارة كانت فكرة إنسانية رائعة مردها إلى الضعف المتبادل والعجز المتكامل إذ أن المبدعة أولاً أو من تتحدث على لسانه وصلها الاشتعال ولم يصلها ضوء الشمعة ثم هي ثانيًا من بؤسها أبكت الشمعة فانطفأت ثم ثالثًا بكت هي انطفاء الشمعة في حب متبادل يجعل الدموع هي تلك وجهي العملة .
أمدد ورقة يتيمة على سطح مكتبي الأسود..فترقد مستسلمة لمصيرها المجهول..
إنها قمة الإنسانية وقمة السمو بالمشاعر إذ تغدو كل التفاصيل عليها هذه المسحة الإنسانية الأسيّة فتشبيه الورقة باليتيمة والمكتب بالأسود في رمزية إلى البؤس وتشبيه الورقة بالمستسلمة لمصيرها المجهول كل ذلك عبر عن عذابات إنسانية ملتهبة تسقِط فيه المبدعة هذه الأحزان على الأشياء .
بدأت الملم زبدي الذي تبعثر على بحارك..تلك الأقمار التي علقت بوجنتيّ من سمائك..
ونجوم أرسلتها إليّ ذات يوم لتزين شعري

كانت اللغة المجازية فاعلة للغاية وهذه التشبيهات كلها أتت بشكل عفوي يشعر معه القارئ بانتفاء شبهة التكلف إذ تفاجئنا المبدعة بانتقال الخطاب إلى الآخر بعد أن كانت تتحدث عن همومها والتي يتبين فيها أن الآخر هو سبب هذا الحزن والبؤس الذي تعيشه إذ تشبه أحلامها بالزبد ومحبوبها بالبحر ، وتستقي من الطبيعة تعبيراتها فتكون الأقمار والنجوم هي زينة لِشعرها .أما إذا كان المقصود الشَعر ففي رأيي أن المعنى يكون قد افتقد الرابط بين المشبه والمشبه به .
أشيائك..نثرت نقاءها أمامي..ثم دحرجتها حروفاً فوق أوراقي وعندما عدت لأقرأ ما كتبت وجدت أني رسمت وجهك بمدادي.
النهاية كانت عبقرية للغاية إذ تعبر عن هذا الاحتلال الذي أقامه الآخر في مملكتها ، ذلك الذي جعلها تكتب بمداد غير مدادها ، وحتى بعد كل هذه المحاولات المضنية من أجل إقصائه اكتشفت أنها مرة أخرى قد رسمت وجهه (من حيث لا تشعر).
النص يتسم بقدرة فائقة على توصيف المشاعر والوصول والانتقال من مرحلة إلى أخرى دون إشعار المتلقي بأن ثمة فجوة تمت .
إن المبدعة بطبعها الرومانسي تجد في الكتابة تخليصًا لأحزانها وتفريغًا لمبكوتاتها لكن حينما تأتي الكتابة لتكون هي القائمة بالاحتلال والبوابة
نحو سِجن الآخر فإن المأساة تكون أشد وأعمق .
جمال النص يكمن كذلك في إخفاء العلة والتي أومأت إليها من بعيد بعبارتها سأكتب فقط بمدادي .
والمبدع أي مبدع حينما يصف تفاصيل المكتب والحجرة التي يكتب فيها فإن عناصر التداعي اللوني والنفسي تكون حاضرة وهذا من أجل التأثير عليه ، وكانت هذه التفاصيل مشعِرة بالتوحد في الآخر والامتزاج به ، كما أثبتت فشل كل هذه الأدوات في إزاحة وجه هذا المحبوب والذي استحق العنوان (وجهك) إذ تحوم حوله الفكرة ، ورغم ان الكاتبة العزيزة لم تذكر في العمل ملامح له كالعين أو أي شيء آخر إلا أن ذلك يعد مزية إضافية لأن العمل اسمه وجهك وليس(ملامحك) أو تقاطيعك وهي ربما ترسل بذلك رسالة مفادها أن وجهك ما زال -رغم هذه التأثيرات- غير واضح الملامح ، مما يجعل حالة الحزن الدائري مسيطرة عليها ، وهكذا هي الرومانسية .. قافلة من الدموع .

أختنا العزيزة لك من التحية بمثل ما لهذه الملامح من أسر ، ولك من مدادي تحية بمثل ما لهذه النفس الصفيّة من دموع ذهبية .
عمل رائع أشكرك عليه أختنا العزيزة ، دمت مبدعة وفقك الله .





__________________
هذا هو رأيي الشخصي المتواضع وسبحان من تفرد بالكمال

***
تهانينا للأحرار أحفاد المختار




المشرقي الإسلامي غير متصل   الرد مع إقتباس