عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 05-07-2014, 02:33 AM   #2
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

عدم رسوخ الإيمان بالحزبية

المسئول الحزبي هو بالأساس فردٌ انتمى لحزب بمحض إرادته أو لظروف معلومة، ومثله بذلك مثل الطالب الذي ينتسب للدراسة في إحدى الكليات الجامعية، فإن كان انتسابه للجامعة عن قناعة أو إيمان كحبه للحقوق أو الزراعة أو الطب، فينتسب للجامعة لينمي معرفته ومهاراته، فإن احتمالية أن يبدع ذلك الطالب بعد تخرجه واردة جداً. أما، إن كان ذلك الطالب انتسب للكلية تمشياً مع معايير القبول في الجامعات أو لقرب الكلية من منزله وقلة تكاليفها، فإنه بعد تخرجه سيكون بينه وبين الإبداع خصومة دائمة.

إن انتماء الفرد لحزب ما، لقناعة راسخة دون أن تجبره الظروف على ذلك الانتماء، فإن ولاءه للحزب وأفكاره وبرامجه ستزداد ويصبح التخطيط والتنفيذ وكسب المؤيدين والأنصار شغله الشاغل وسيتدرج في ترقي الدرجات الحزبية، بعكس ذلك الذي يأتي عندما يكون الحزب في الحكم، أو أن ينتمي لرغبة أهله أو أصدقائه، فسيكون حضوره بالحزب رقمياً لا تأثير فيه للطرفين (أي هو والحزب لا يؤثران في بعضهما).

(1)

الحزبية، في بلادنا العربية، هي أقرب للكره في نفس المواطن منها للرغبة، وأسباب ذلك معروفة، فلفظ ( حزب وأحزاب) في القرآن الكريم، كانت باستمرار مقرونة بالشرور ومعاداة الإيمان والرُسُل منذ القِدم حتى لو لم يجتمعوا في زمان واحد، فالصفة المشتركة عندهم هي مخالفة أوامر الله عز وجل { وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب} [ ص 13]؛ { من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} [الروم32]؛ { فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم اليم} [الزخرف 65]. وهكذا فقد اقترن الشر بالأحزاب في 16 موضع في القرآن الكريم.

في حين لم يكن نصيب الخير المقترن في الأحزاب إلا في موضعين في القرآن الكريم، إذ جاء في التنزيل { ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} [المائدة56]؛ {... أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} [المجادلة 22].

كما أن الأنظمة العربية، نَفَّرت من إتباع الأحزاب، واستعانت بخطباء المساجد ووعاظ السلاطين من الانخراط بالأحزاب. وكانت الحركات الإسلامية السياسية ـ حتى عقدين من الزمان، عدا حزب التحرير الإسلامي ـ تتجنب استخدام كلمة حزب في تنظيماتها، فتسميها: جماعة، حركة، جمعية، أتباع الطريقة الفلانية الخ.

(2)

إن حجج الذين يمقتون العمل الحزبي والانتماء للأحزاب، تحمل في طياتها بعض الوجاهة، خصوصاً عندما يحصروا مضار العمل الحزبي بما يلي:
أ ـ إن العمل الحزبي يشتت ويفرق أبناء الأمة، ويُحدث الفرقة فيما بينهم، من خلال حملات الدعاية المضادة التي تستخدمها الأحزاب للنيل من خصومها من الأحزاب الأخرى.
ب ـ إن انتماء نواب (البرلمان) من الأحزاب يكونوا محدودي الحرية، وولائهم لأحزابهم ومصالحها، أكثر من ولائهم للوطن والشعب حتى لو زعموا عكس ذلك.
ج ـ إن حجم الأحزاب وكثرة أعدادها، ستكلف الدولة كثيراً، نظراً لتعطيل جهد أعضاء تلك الأحزاب لجهود غيرهم بالإضافة لجهدهم المعطَّل أصلاً، كما أنه يفتح الأبواب لدس أنوف من يتربص بالبلاد شراً*1.

هذه السمات التي يصدق من يطلقوها في ظنهم، خصوصاً إذا تفحصنا تلك الظاهرة في الدول العربية خلال عشرة أعوام مضت (العراق، الجزائر، مصر، اليمن، تونس الخ).

لكن تلك الظواهر ربما ستختفي بعد تأصيل التجارب الديمقراطية وتجذيرها في البلاد، فلم نحس بذلك الأثر في ألمانيا أو بريطانيا أو فرنسا وغيرها من الدول التي سبقتنا في لعبة تناقل السلطة بوسائل مختلفة عن وسائلنا. فالسياسة العامة لتلك الدول تبقى كما هي، ولنلاحظ ذلك في الكيان الصهيوني أو الولايات المتحدة، لا فرق يذكر بين سياسة حزب العمل أو الليكود أو غيرها، أو الجمهوريين والديمقراطيين.

(3)

أنصار إباحة العمل الحزبي من المفكرين الإسلاميين، يستندوا في رأيهم على أن تعريف الحزب ـ أصلاً ـ أنه جماعة تسعى لاستلام السلطة أو المشاركة فيها، وكونها جماعة فلا ضير من تكوينها وتأسيسها طالما أنها تسعى لخير البلاد والعباد. ويذهب البعض منهم مستنداً على النظام المعرفي (البياني) الذي يعتمد اللغة والفقه، ويسوقوا الأدلة القرآنية والأحاديث النبوية التي تجيز الانخراط في العمل الحزبي.

فالحزب في اللغة هو الجماعة أو المجموعة، وقد قُسم القرآن الكريم الى ستين حزباً وثلاثين جزءاً. وفي التنزيل {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}، والحبل هنا التماسك والتنظيم.

والمسلم خُلِق للعبادة (كما بين الله في التنزيل)، وإقامة شرع الله، والأخيرة لا تتم إلا بوجود عمل منظم ودقيق، وهنا تبرز القاعدة التي أشار لها العز بن عبد السلام ( ما لم يتم الواجب إلا به، فهو واجب)*2؛ وهنا يبني العلامة الموصللي (إبراهيم النعمة) موقفه من أن التنظيم الحزبي واجب*3

بالرغم أن الحزبية لم تأخذ اسمها في القديم كما هي عليه الآن، إلا أنها كانت موجودة من قبل الإسلام، فالأحلاف شكل من أشكال الحزبية، والتجمعات القبلية شكلٌ آخر من أشكال الحزبية، وقد أشار الى ذلك مجموعة من الكُتّاب والمؤرخين وعلماء الاجتماع العرب في كتبهم*4.

وبعد الإسلام ظهر الخلاف السياسي منذ العهد الراشدي، وظهرت معه التكتلات التي كانت تحمل رؤى سياسية وتقوم مقام عمل الأحزاب في الوقت الحاضر، وظهرت دراسات مطولة لمؤرخين قديمين وحديثين تبين تلك التيارات التي هي في الواقع تيارات حزبية، بعضها على هامش قبلي وبعضها على هامش اجتهاد ديني*5

إذن، لا يستطيع أحدٌ إنكار وجود الحزبية ومرافقتها للنشاط السياسي منذ قيام الدولة الإسلامية أو العربية الإسلامية. ولكن نحن هنا، بصدد مناقشة الإيمان بها كأسلوب لجعل الحياة السياسية ملائمة ومقبولة ومراقبة من خلال مؤسسات منظمة. وإن كانت الأنظمة العربية قد نجحت في جعل الحزبية عملا شائناً، فلا بد للمثقفين أن يجعلوها محببة وعصرية للمواطنين. وهذا الارتباك بالإيمان بها هو ما يجعل المسئول الحزبي مرتعشاً ومهزوزاً ونادرا ما يكمل طريقه.




هوامش
*1ـ عبد الحميد ناجي عبيد السامرائي/ مشروعية تأسيس الأحزاب السياسية في الشريعة الإسلامية/جامعة بغداد: كلية الفقه والأصول الإسلامية (رسالة ماجستير 2007)، إشراف: محسن عبد الحميد أحمد.
*2ـ عز الدين بن عبد السلام السلمي/ قواعد الأحكام في مصالح الأنام/ بيروت: دار المعارف ج2 صفحة 204.
*3ـ إبراهيم النعمة/ مشروعية العمل الجماعي صفحة 20.
*4ـ أنظر مثلاً: النزاع والتخاصم بين بني أمية وبني هاشم لتقي الدين المقريزي؛ وانظر مقدمة في المجتمع العربي/ الياس فرح.
*5ـ انظر مثلاً: اليمين واليسار في الفكر الديني/ حسن حنفي؛ وانظر العقل السياسي العربي/ محمد عابد الجابري..وانظر الخلافات بين الصحابة لمحمد الشنقيطي.. وانظر الحزبية السياسية منذ قيام الإسلام لرياض عيسى؛ وانظر التعددية السياسية في الإسلام لصلاح الصاوي.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس