عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 18-07-2009, 11:44 AM   #4
المشرقي الإسلامي
أحمد محمد راشد
 
الصورة الرمزية لـ المشرقي الإسلامي
 
تاريخ التّسجيل: Nov 2003
الإقامة: مصر
المشاركات: 3,808
إفتراضي

إن الأدب يستمد قيمته من خصوصيته وخلوده من التحامه بمضير جماعته المبدعة المتذوقة له ، وعلى هذا فإن وعي الأديب بالواقع الذي يعيشه وبأدوات التشكيل الجمالي لعمله يهب لفنه الجودة والخلود ، وعلى قدر الالتزام بالقضية الأساسية لعصر ولاوعي بما يمكن أن يحقق بلاغة النوع الأدبي تكون القيمة المعيارية للأدب .
وابتداء ينبغي تقرير أن وظيفة الأدب تحدد ماهيته وهذه الوظيفة لا يمكن أن تحد بشكل جازم أو مجرد وإنما تحدث طبيعة المرحلة التاريخية التي يمر بها المجتمع المبدع المتذوق له، طبيعة الأدب لا يمكن أ، تبقى ثابتة رغم تطور المجتمع، ووظيفته في مجتمع رأس مالي تختلف عنها في مجتمع اشتراكي ذلك أن الطبقة المسطرة توجه الفن غالبًا نحو تحقيق أهدافها الاجتماعية ومثلها الأخلاقية وفي مجتمعات العالم الثالث حيث تربض فوق صدور المجتمعات النامية مشاكل الاحتلال والقهر والتسلط فإن مشكلة هذا المجتمع تتضاعف عندما يكون عليه النضال لمجابهتها من جهة ومجابهة نفي الاستغلال والظلم الاجتماعي الداخلي من ناحية أخرى .
وهنا يتحول الأدب وجامليات الشكل إلى أخلاقيات سامية إرى أن يكون وسيلة للإشاردة بتحرير الإنسان من كل ما يكبله ويرهقه وأغنية تشدو بعالم حر جديد وبذلك يغدو الفنان بتنبؤاته وأحلامه عضوًا في المجتمع لا يمكن الاستغناء عنه.
قصيدة البحر والبركان لهذا الشاعر تمثل واحد ة من القصائد التي دافعت عن موقف نبيل رافض للاحتلال كما أنه رافض لوقوف القصيدة بما فيها من أدوات بلاغية عبقرية عند حد وحيد وهو المناسبات .

وأول ما يلاحظ على القصيدة تداخل أو شبه تداخل الأصوات المكونة للنسيج الفني للقصيدة .فأحيانًا ترد في إطار سردي عام ، وأخرى بصوت غناء فردي يتلون حسب التعدد في المواقف ، وأحيانًا بصوت نضالي ملمحمي صلب . هي نسق جديد من القصيدة المركبة يمتزج فيها طابع الغناء بأسلوب الملحمة غير أننا لسنا في عصر الملاحم بل في عصر يلتحم فيه الشاعر بوجدان الأمة ليصنع هذا العصير الإبداعي المعبر عن موقفه الفكري من هذه القضية .

القصيدة تبدأ بوصف شدوان وسط هدير البحر وارتعاشات النجوم عليه . وتوحي وحدة الجزيرة وعزلتها بالوحشة والخوف بين أن صوت الشاعر الفرد رغم فرديته يبرز في طابع ملحمي ليقرر أن:
"شدوان
مدينة طفت على وجه الزمن
سكنتها وحدي
وها أنا أدفع من دميَ الثمن
" .
لكن القصيدة تستحيل رمزًا للوطن الكبير ويصير ما يهددها نفس ما يهدده من أخطار إذ يتوحد فيها الشاعر وهنا نجد للملح رمزيته الذي هو يرمز للعدو الذي يحول دون خصب الحقول ، وتصبح حينئذ شدوان في نسيج القصيدة من المدينة لتصبح ثانية :
شدوان
منفى وبندقيتي وطن
.
فجأة ينقلب الوصف الغنائي إى حركة درامية جياشة في الصمت الفريد إذ يصيح صوت بالرجال "ويلمح وحش القرش في البقع المنيرة"ثالثة ، ويكون هذا رمزًا لاقتراب العدو عندئذ تأخذ شدوان للمرة الرابعة معنى آخر وتصير
"شدوان !
هي الوطن
"
وسط الدم الفائر والخطر الداهم تأخذ شدوان معنى خامسًا لتصير :
"شدوان
البحر والبركان
"
هذا التعبير المجازي الذي يدل على المفارقة بين البحر الزاخر واللهب الهادر يبدو إعجازه في إ:يجازه ويفصح عن إيحاءات فكرة وفنية ثرية ويؤذن ببدء الملحمة .
عندئذ يبرز صوت الشارع النضالي في حماس منتصر عنيد يفجر طاقات غنائية خصبة على المستويين الفكري والفني وهذه الغنائية تتبدى خصوبتها الفنية وبلاغتها الشاعرية في صلابة العزم -بالدرجة الأولى- وقوة الإرادة التي تشع سامية بين أعطافها .
وتنتهي المحلمة بعد أن سحب الموت ظله عن الجزيرة وانكشف الغبار غبار المعركة عن الصباح صباح النصر وتكون الفرحة خاتمة متفائلة لقصيدة تؤكد نفي العيش الضرورة والموت الضرورة وتطهر الحب من الخوف ولكني أي حب تعني :
"وهل عرفت الحب حقًا ؟
ما الذي صنعته أيدينا لنعطي أمهات
وقرى يعيث بها الطغاة؟
لا !
نحن لم نعشق ولم نعرف سوى الحب الضروره
والعيش والموت الضروره
".
كما تشيد روح القصيدة بالإيمان النبيل بانتصار الحق المناضل وإشراقة الحرية الحمراء .
ثانيًا :جماليات القصيدة :
*الثراء الدلالي :
"الموت
كنه أنت
فهو فتى بسنك يرتدي ذات الثياب
أخرج له موتًا لموت
من من الموتين يغلب؟ من يذود عن التراب ؟
واذكر هنا موتاك واذكر وجه أمك
هل ترى أحببتهم يومًا كما أحبتهم في ساعة الموت الوبيل
الموت فوق رؤوسنا والموت بين أكفنا
والموت يعصف بالرقاب
ونظل نحن نصيح يف فرح جنوني به
لا لا سبيل إلى الجزيره
"
في هذا المقطع الثري -بدلالته الفكريه والتصويرية- تتراءى كلمات وجمل مبتورة حادة (الموت ....كنه أنت .. أخرج له موتًا لموت ...لا ..لا سبيل إلى الجزيره)وهذه الكلمات والجمل المبتورة يستطيع القارئ تأويلها وفقًا لمتقضيات السياق.
حيث لم تعد الكلمات مصطلحات ذات مدلول معجمي إستاتيكي جامد بقدر ما أصبحت رموزًا لصور حية ديناميكية تعبر عن سعي الفنان نحو إبداع عالم مناضل بتشكيل عبقري من الكلمة المصورة والجمل المعبرة.
تعدد أساليب الاستفهام :
"الموت ؟ من من الموتين يغلب من يذود عن التراب ؟هل ترى أحببتهم يومًا ؟"
كثرة أساليب الاستفهام وأدواته وتنوعها بين الحقيقي والمجازي تعطي هذا الجزء من القصيدة قوة بلاغية في التصوير حيث إن أساليب الاستفهام يطلب بها التصور أو التصديق كما يرى البلاغيون القدماء وهذا يمنح العبارة حيوية وثراء متجددين.
*شيوع أفعال المضارعة :
شيوع أفعال المضارعة والأمر الدالتين على الحركة والطب مما يهب الفكرة والصورة حياة زاخرة وحركة متدفقة ومن حيث تشكيل الصورة نلمس ذلك التشخصي التمثلي لموت بفتى يرتدي ذات الثياب " وفي نفس الجزء من الصورة قلب للتمثيل وأنسنة للموت فيصير ركنا التمثيل المشبه والمشبه به رغم ما بينهما من تباعد في مستوى متكافئ ليكون هذا تحميًسا للمقاتل الموت ليرى "من من الموتين يغلب من يذود عن التراب ".

*التكرار :
التكرار في هذه الصور :
"كان الطريق إليك أن آتيك مطلول الجراح
كان الطريق إليك أن آتيك حاملاً السلاح
كان الطريق إليك أن أغزو المدن الكبيره
"
قام بوظيفة هامة للغاية وهي الحفاظ على الهندسة اللفظية والعاطفية للعبارة ودل على أن للطريق -الذي هو محور العمل الأدبي ويتخذ دلالة أوسع وهي طريق التحرر-هو الغرض الذي استحق التكرار للتنبيه على قيمته لاسيما في نهاية القصيدة ليدل على وعيه بالعنصر الذي يعد ختام القصيدة به تبريرًا لكل هذه المعاناة التي بذلت .
ومن هنا نجد أن هذه القصيدة أكسبت (شدوان) رغم خصوصية الحالة عمومية تصدق على أوطان ومواقف أخرى لتكون" شدوان" رمزًا لهذه المقاومة محليًا وإقليميًا بالشكل الذي اكتسبت به مدن أخرى عمومية أكثر اتساعًا كغزة والفلوجة وغيرهما ..
__________________
هذا هو رأيي الشخصي المتواضع وسبحان من تفرد بالكمال

***
تهانينا للأحرار أحفاد المختار




المشرقي الإسلامي غير متصل   الرد مع إقتباس