عرض مشاركة مفردة
قديم 09-07-2007, 06:26 PM   #6
السيد عبد الرازق
عضو مميز
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2004
الإقامة: القاهرة -- مصر
المشاركات: 3,296
إفتراضي

[FRAME="11 70"]
في النّثر والنثريّة (11) ... محمد خريف
التاريخ: الأربعاء 14 يونيو 2006
الموضوع: نقد


من خبر الرّسم إلى خراب الطّبع في رسالة الغفران لأبي العلاء المعرّي (*)

خبر الرّسم في السّرد شهادة على بؤس الاقتفاء والسّير على المنوال أو النمط المحنط أو المرسّخ بالثقافةالماورائية وإن كان جذر( خبر) يتيح على مستوى المعجم إمكانات أخرى منها ما أقرّ الاستعمال معانيها ومنها جذور يمكن أن يكون لها معان افتراضيّة وهي (بخر- ربخ - خرب - برخ- رخب) وهذه الجذور الممكنة تحرّر الخبر من بؤس الشّاهد الحاكي الخانع مقتفي الأثر الذّليل الكاذب بتخريبه وفي التخريب إحالة على معنى الدّنس، والدّنس فعل العامّة في حين يكون الخبر بمعنى الرّواية من فعل رواة الشّعر والحديث لذلك كان الخبر متأرجحا بين القبول والرفض شأنه شأن الشعر محمودا منبوذا..

محمودا ما لم يضرّ بمسلم وما لم يعرض بعقيدة على حدّ تعبير الجرجاني في دلائل الإعجاز وإن لم يلتزم الخبر بشروط التّقوى فخرب نثره محاولا تجاوز السقف في مقامات الهمذاني حيث مدّ خراب الطبع وجزر خبر الرّسم وانتصار تهمة الزّندقة على تمرّد الذّات فخنس لاعج الخراب بعصا القائم وتهويل يوم الحساب والعقاب. والتّرغيب في يوم الغفران وإن كان جذر غ ف ر لا يتيح ما يتيحة خبر من إمكانات أخرى افتراضية غير رغف وغرف وفغر وهي متمكّنه في معاني الفراغ والغرف وما يتعلّق من معاني الأكل والشّراب والمجون وغضّ الطرف والسّتر والكتمان. فالغفران بمعنى آخر خبر زور يغطّي خبر خطيئة أو سيّئة وكأنّي بخبر الغفران أو رسالته بخبر يغطّي خبرا والخبر هي أخبار أعلام أمثال المتنبّي وابن الرواندي وبشّار وأبي تمام والحلاّج. وغيرهم أمثال مولاي الشيخ والمقصود به المعرّي في رسالة ابن القارح، يخشى ابن القارح أن تبقى كما هي دون أن يعلن أصحابها بأخبار أخرى يعلنون فيها توبتهم فيغضّ الله ورسوله وصحابته عنهم الأبصار سواء بالواسطة أو بغيرها.
"ولكنني اغتاض على الزنادقة والملحدين الذين يتلاعبون بالدين ويرومون إدخال الشّبهات والشّوك على المسلمين ويستعذبون القدح في نبوّة النبيين صلوات الله عليهم أجمعين ويتظرفون ويبتدئون إعجابا بذلك المذهب... والحسين بن منصور الحلاج من نيسابور وقيل من مرو ويدعي كل علم وكان متهورا جسورا يروم انقلاب الدول ويدعي فيه أصحابه الألوهية ويقول بالحلول ويظهر مذاهب الشيعة للملوك ومذاهب الصوفية للعامة وفي تضاعيف ذلك يدعي أن الالوهية قد حلت فيه وناظره على بن عيسى الوزير فوجده صفرا من العلوم" ص36

وابن القارح كان في عرضه أخبار هؤلاء المخربين معلقا على كل خبر بما يواتي العقل والذّكاء لا التّهور والزندقة فهو لا يخرج عن خبر الرّسم وبؤسه إلى خبر التمرّد وغناه والعبرة بالنهاية أو المال ورجاء التّوبة لا الثّبات على العناد كما يقول معلّقا على نهاية على بن العباس بن جريح الرّومي "فأرجو أن يكون هذا القول توبة مما كان اعتقده من ذبحه نفسه مشيرا إلى قول ابن الرومي لأبي عثمان "والخنجر إذا زاد على الألم ذبحت به نفسي"

ابن القارح يبدو مشفقا على هؤلاء رجيا لهم التوبة والغفران اقتداء بما جاء في خاتمة الرسالة من صيغ الاعتذار عن الخطل والعيوب "ما فرغت من السوداء وأنا اعتذر من خطل فيها أو زلل فإن الخطأ مع الاعتذار والاجتهاد"

والخبر في رسالة ابن القارح التي كانت تأمر بتقبل الشرع وتعيب من ترك أصلا إلى فرع كما يقول المعري في جملة يستهلّ بها رسالته يجسّم تلك الذهنيّة النمطية التي لا يمتزج حرفها بمقال الزور - والغفران لا يخلو من أخبار الزّور، اتّسعت جنّة الغفران لها في محاكاة جدّ ينطوي على سخرية لتلقح ذهنيّة طبيعية يساير خبرها مفهوم الغفران كما تستسيغه العقيدة، عقيدة ابن القارح محنّطة بنمطيّة عقيدة العامّة، عقيدة الشرع البدائيّ فيكفي أن ينجز طالب المغفرة خبرا افتراضيا يغطّي به خبره الواقعيّ المتحوّل بمقامات اللّغة ليحصل له الغفران الحتميّ فيصير الغفران بمفهوم مختلف كذبة خبر على خبر أو شهادة زور تصبح شهادة حقيقة وهكذا فالغفران خارج عنف النمط صنيع إعادة صوغ الخبر لا غير في فضاء ميتافيزيقي هو فضاء الجنّة مشروطا بسلطة المتلقّي "الله" الذي بقدرته يتحوّل الكذب صدقا يؤهّل صاحبه للفوز بالجنّة لذا فمسألة الغفران مسألة متعلّقة بمقامات الخبر ومختلف تداولاته لا بفعل الإنسان الواقعيّ في الدّنيا. لذا جاء الخبر في رسالة الغفران جملا قصصيّة راوية على المجاز وإن أضمر الخبر مشروع تخريب العقيدة في رسالة ابن القارح وذلك بالإخبار الخالع نزوة ابن القارح بما يجس له أو يخطر من أمور السّارح في الجنّة بجبلّة الطّبع ونبض السّجع بالمحاكاة السّاخرة فيحصد القارئ النمطيّ تمرّدا من مقامات القول من خبر مكتوب بحرفه لا يخالطه وشاية بزور إلى خبر ضد يد عالق بمقامه علوق غلبة الظّنّ على اليقين والحركة على الجمود والقصيد على الآية والمدنّس على المقدّس والإمكان على التمكّن ويظلّ خبر إبليس خبر صدق لا يشوبه زور. فإبليس وحده لا يطمع في جنّه ولا غفران ولا يندم بل يستمرّ في غيّ لا بائسا ولا خائفا ممّا هو فيه من أصفاد وأغلال وزفير نار بل لا يزال متهكّما من ابن القارح ومن لفّ لفّه.
"فيطلع فيرى إبليس - لعنه الله - وهو يضطرب في الأغلال والسلاسل ومقامع الحديد تأخذه من أيدي الزبانية. فيقول إني لا أسألك في شيء من ذلك ولكن أسألك عن خبر تخبرنيه أن الخمر حرمت عليكم في الدّنيا وأحلت لكم في الآخرة فهل يفعل في الجنة بالولدان المخلدين فعل أهل القريات فيقول عليك البهلة أما شغلك ما أنت فيه أما سمعت قوله تعالى: ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون (سورة البقرة آية 25)

وتعطى حرية القول بالخبر الخارب لإبليس أو يفتكّها متحدّيا فيقول "وأن في الجنة لأشربة كثيرة غير الخمر فما فعل بشار بن برد فإن له عندي يدا ليست لغيره من ولد آدم كان يفضلني دون الشعراء وهو القائل:
إبليس أفضل من أبيكم آدم ..... فتبينوا يا معشر الأشـــــرار
النــار عنصره وآدم طينته ..... والطين لا يسمو سمو النار

لقد قال الحقّ ولم يزل قائله من الممقوتين. فلا يسكت من كلامه إلا ورجل في أصناف العذاب يغمض عينيه حتى لا ينظر ما نزل به من النقم فيفتحها الزبانية بكلاليب من النار وإذا هو "بشار بن برد" قد أعطي عينين بعد الكمه لينظر إلى ما نزل به من نكال (ص ص308 و309و310).

إمكانات عدة يتيحها الخبر في صيغة خرب تخلع عن الخبر زيف التمكّن في اقتفاء الرسم فيتمرّد معلنا خبر الحقّ أو البيان المختلف، بيان الشّيطان الثّابت في طبعه الإنساني رغم أصناف العذاب وكلاليب النّار، إنّه الوحيد المقتنع بفعله وما له فلم يمتهن النفاق ولم يلجم لسانه بخبر آخر يغالط خبره ولم يسع إلى الخلاص من النّار بأساليب التّمويه التي افتعلها ابن القارح.

وما خبر الشّيطان المدعوم ببيتي شعر إلا اعتراف بل احتفاء وابتهاج بفرحة التمرّد النّافع في وجه الغفران البائس الضارّ، ومن منافع خراب الرّسم اهتداء الشّيطان إلى معرفة مخاطبيه بفلان وفلان لا بالأسماء والألقاب في الجنّّة كما هو الأمر لعلي بن منصور القارح وإن لم يجد صعوبة في الاهتداء إلى معرفة بشار بن برد وفي هذا أكثر من دلالة إذ الخبر يرفل في إيقاع سجع ساخر مصحوب بألم الحبّ، حبّ الدّنس، حبّ الشّيطان، بل حبّ الطّبع الإنسانيّ الجريء على الاصداع بحقيقة الشّيطان التي يسعى ابن القارح إلى كتمها عن طريق خبر الغفران، فهذه الحقيقة من ذاته لكنّه بخبر الرّسم يظهر أنّه لا يحبّها وكأني برسالة الغفران خبر فاضح أو خارب من ناحية وصكّ توبة برواية كاذبة من ناحية أخرى وكأني أيضا بخبر الشّيطان شارة رفض بحجاج صادق، وهكذا يكون إبليس في منظور المعرّي الرّاوي الطبيعي.
[/FRAME]
السيد عبد الرازق غير متصل   الرد مع إقتباس