عرض مشاركة مفردة
قديم 04-09-2006, 02:46 PM   #35
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

الطرق البرية

من نتائج غلبة الطبيعة الصحراوية على أرض جزيرة العرب ، أن انحصر امتداد شرايين المواصلات فيها في أماكن خططتها الطبيعة نفسها للإنسان ، فجعلتها تسير بمحاذاة الأودية ومواضع المياه والآبار ، وهي السبل الوحيدة التي يستطيع المسافر ورجال القوافل كي يستريحوا في مواضع منها ويحملوا منها الماء . وتنتهي رؤوس هذه الطرق بالعراق وببلاد الشام في الشمال وبالعربية الجنوبية وبموانئها في الجنوب ، وهناك طرق أخرى امتدت من العربية الشرقية إلى العربية الغربية ، ولها مراكز اتصال بالطرق الطولية الممتدة من الشمال إلى الجنوب في الغالب .

وقد أقيمت في مواضع من هذه الطرق مواضع سكنى ذات مياه من عيون أو آبار ، عاشت ونمت بفضل منة مائها عليها ، فصارت منازل مريحة لرجال القوافل يحمدون آلهتهم عليها ، ويحمد أصحاب ذلك الماء آلهتهم على منتها عليهم بإعطائهم ذلك الكنز العظيم الذي أعانهم على العيش وجلب لهم كرم التجار .

وفي العقد الحساسة من هذه الطرق نشأت المستوطنات ، ومواطن السكنى القديمة انتشرت في أماكن متباعد بعضها عن بعض في الغالب ، فكان لهذا التوزيع أثر كبير في الحياة الاجتماعية والحياة السياسية والعسكرية ، ولا شك . وما الطرق الحالية التي يسلكها الناس اليوم إلا بقية من بقايا تلك الطرق القديمة التي ربطت أجزاء الجزيرة بعضها ببعض ، كما ربطت الجزيرة بالعالم الخارجي .

ونجد في مخلفات تلك المستوطنات مواد مستوردة من مواضع بعيدة ، هي دليل بالطبع على إن الإنسان كان يقطع الطرق قبل الميلاد بمئات من السنين ليتاجر ويبيع ويشتري دون إن يبالي ببعد المسافة وطول الشقة وصعوبة الحصول على وسائل النقل وما يتعرض له ، وهو في طريقه إلى هدفه ، من مخاطر وأهوال .


وتعد "نجران" من أهم المواضع المهمة الحساسة في شبكة المواصلات البرية قبل الإسلام ، ففيها تلتقي طرق المواصلات الممتدة في الجنوب ، وفيها يتصل الطريق البري التجاري المهم الممتد إلى بلاد الشام ، فيلتقي بطريق العربية الجنوبية ومنها يسير الطريق المار إلى "الدواسر" فالأفلاج فاليمامة أو ساحل الخليج ومنه إلى العراق .


ولم تموّن الطرق البرية المارة بالعربية الشرقية أي "ساحل الخليج" العراق بتجارة جزيرة العرب وبالمواد المستوردة إليها من الهند ، بل موّنتها بموجات من البشر منذ آلاف السنين قبل الميلاد . فقد كانت القبائل العربية النازحة من الجنوب لأسباب متعددة تحطّ رحالها على هذا الساحل ، انتهازاً لفرصة ملائمة ترحل خلالها إلى العراق لتستقر فيه . وقد سلكت أكثر القبائل العربية التي استوطنت العراق هذا السبيل حينما هاجرت إليه قبل الميلاد وبعده أيضاً .
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس