عرض مشاركة مفردة
قديم 14-12-2006, 02:30 PM   #40
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

رأي الدكتور جواد علي في أصل الساميين:

كان الدكتور جواد علي (صاحب موسوعة المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ) ـ حتى وفاته ـ من المطالبين بشدة فرق البحث العربي في مجال الآثار و الجيولوجيا في أن يكون عملهم جادا ومثابرا وعلى نهج واضح ليستكملوا دراسات باطن الأرض في جهد عربي غير متأثر بآراء الغربيين الذين لم ينزههم عن دس غايات وتحليلات نظرية تلتقي مع أهداف دولهم من زاوية مصلحية، وتلتقي مع نظرتهم المعرفية التي تستند الى حقيقة فلسفية قوامها أن الغرب هو مركز العالم الحضاري، وما سواه ما هو إلا نشاط يأتي على هامش ذلك الجهد الحضاري ( فيكو الإيطالي ـ فلسفة التاريخ).

فلذلك رأى الدكتور جواد علي عدم الاستعجال في قبول نظريات الغرب حول موضوع الساميين مارا على كل نقطة استند عليها المحللون الذين ذكرناهم في إرجاع أصل الساميين وأسباب هجرتهم وسنلخص نظرة الدكتور جواد علي وفق رأيه من محاكمة تلك التحليلات :

أولا : إن اعتماد التقارب اللغوي بين شعوب المنطقة، باعتبار هذا التقارب مؤشرا على بدء وكيفية حركة الساميين، ما هو إلا حدس وتخمين يفتقر الى الإثباتات العلمية المستندة على تحليل مختبري يفحص بعناية ما في باطن الأرض للوقوف على تلك الدلائل.

ثانيا: إن اعتبار تغير المناخ وقسوة الجو باعتبارها محركا وسببا أساسيا في الهجرة، فهو الآخر لا يعدو كونه تخمينا لا يستند الى أي حقيقة علمية، فقد تكون الخلافات السياسية هي ما دفعت الناس لهجر مواقعهم، فالصراع بين الأحباش وأهل اليمن قد دفع قسم من اليمنيين لهجر أوطانهم، وقد يكون الصراع بين الفرس والعرب هو ما دفع الكنعانيين أو الفينيقيين لترك سواحل الخليج العربي كما تركوا سواحل المتوسط متوجهين لإفريقيا، وهنا المسألة في الحالتين ليس لها علاقة بتغير الطقس.

ثالثا: لقد تسللت الى كتب التاريخ التي أثرت فيما بعد على آراء أولئك المحللين، آراء عقائدية دينية كاليهودية المحرفة والمسيحية المستندة في رأيها التاريخي على آراء اليهودية، وقد رأينا كيف فبرك مؤرخو اليهود إبعاد الكنعانيين من نسب الساميين وإدراجهم مع الحاميين لغايات إبعادهم عن السيادة على فلسطين، وذلك في الألف الثاني قبل الميلاد. وقد تسللت تلك المفاهيم الى المؤرخين العرب كالطبري مثلا فتبنى الرؤية اليهودية دون أن يعلم، وقد أشار ابن خلدون لقضية في منتهى الذكاء عندما فند رأي اليهود بأخبارهم أنهم كان لديهم سبعمائة ألف مقاتل عندما خرجوا من مصر واستمروا في زحفهم حتى احتلوا بحر الخزر وما وراءه، فعلق على هذا النوع من الافتراء بأسلوب علمي متهكم، حيث استند في محاكمته لتلك الفرية باعتماد القرآن الكريم، بأن موسى عليه السلام قد تزوج بنت شعيب عليه السلام وشعيب هو الابن الخامس (أي من الجد الخامس) لمدين ومدين هو أحد أبناء ابراهيم عليه السلام من أم اسمها (قنطورة) لم يذكرها القرآن وتجاهلها اليهود في كتاباتهم، فتبنى كل المؤرخين رأي اليهود، وإن كان كذلك، فكيف لخمسة أجيال من شخص واحد أن تكون سبعمائة ألف مقاتل، ثم يضيف ابن خلدون، أنه لم يعثر في قراءاته على تاريخ منطقة الخزر أنها تعرضت لغزو يهودي في تلك الفترة التي يشير إليها اليهود.

رابعا: إن الهجرة أو الهجرات لم تكن في اتجاه واحد فقد كانت تأخذ عدة اتجاهات فقد يخرج من جزيرة العرب ناس ثم يأتي إليها آخرون، كذلك العراق وبلاد الشام، ولم تكن الهجرات من صنف واحد من الناس، بل أجناس مختلفة تأتي وتنصهر لتذوب في شكل جديد، فلا لون البشرة ولا شكل الجمجمة ولا لون العينين ولا الأنف بقي صافيا 100% لأي جنس بشري على الكرة الأرضية.

خامسا: إن اعتماد الخرائب كدلائل أن تلك المناطق كانت عامرة، فهدمت وخُربت بسبب تغير الجو أو غيره، فإنها دلالة ضعيفة جدا، فقد تكون تلك الخرائب لأقوام لهم شأنهم لكنهم هجروها في فتوحاتهم واحتلالهم لمناطق أكثر راحة فاستوطنوا بتلك المريحة وتركوا تلك لتخرب. أو قد يكون أن خطوط النقل قد تغيرت من مكانها فلم يعد يمر بتلك الخرائب التي كانت عامرة تجار ومسافرين ليبقوا شروط الحياة فيها، فتركها أصحابها الى لا عودة فخربت ..

ينهي الدكتور جواد علي رأيه المطالب بالتريث وعدم الاستعجال، بقوله إن علينا قبل أن نبحث بأصل الساميين وموطنهم أن نبحث عن موطن البشرية، وهل هو موطن واحد أم أكثر .. وهذا يتطلب مزيدا من التنقيب والبحث والصبر ..
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس