عرض مشاركة مفردة
قديم 08-04-2010, 06:20 PM   #8
المشرقي الإسلامي
أحمد محمد راشد
 
الصورة الرمزية لـ المشرقي الإسلامي
 
تاريخ التّسجيل: Nov 2003
الإقامة: مصر
المشاركات: 3,808
إفتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

للنيل ارتباطه الوثيق بالإنسان المصري خاصة الفلاح ، فهو رمز العطاء والنماء عبر الدهور ، وفي كتابات الفراعنة كثير من النصوص التي تقدسه ،والتي أشار إليها على استحياء أحمد شوقي رحمه الله حينما قال : جعلوا الهوى لك والوفاء شريعة= إن العبادة خشية وتعلق


وخاض الكثير من الشعراء في وصفه إما لعذوبة مائه أو لخصائص موقعه أو للنفع الذي ينفع الله به البلاد والعباد ، ولا أدل من قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ أُخبِر بانحسار ماء النيل والسنة التي كانت دارجة آنذاك وهي إغراق واحدة من أجمل بنات مصر (وأشك أنهن جميلات) قربانًا له.


من هنا يأتي هذا الرمز الجميل معبرًا عن الإنسان المصري ، ذلك العطاء الذي قد خارت قواه ولم تعد ذاكرته لتقوى على استرجاع أمجاده ،ومن هنا يكون الثقب في ذاكرة النهر ، ذلك العنوان الذي يحمل قدرًا كبيرًا من الشاعرية المتمثلة في هذا المزج الابتكاري المتفرد بين الدال والمدلول في إطار يقوم على التناقض في الصورة الذهنية مولدًًا بذلك العديد من التصورات الذهنية الجديدة المشعة بما للتعبير من حيوية وطاقة (في توليد الكهرباء التي لم تعد تنير دربًا ولا تحرك ساكنًا).وخطاب النيل في هذه الأبيات هو موجه بطبيعة الحال إلى الإنسان المصري ،ولعل هذا الاتكاء على مدلول كلمة النيل في النفس كان أداة لاستنهاض الرغبة في تحقيق ما يُرتجى من هذا النيل الذي عانى الركود حينًا من الدهر .وتأتي صورة السوافي في القصيدة معبرة عن هذه السنوات التي دارت على الإنسان المصري بحلوها ومرها لتعمّق هذا الارتباط بالمرمز ودلالته الوطنية والتاريخية للمجتمع المصري كلية.


وإذا كان المشهد التقليدي للنيل مثيرًا للعديد من أشجان وانفعالات المبدعين ، فإننا نظفر ها هنا بتوظيف لهذه المكونات التقليدية لتغدو أدوات لتحريك النص وتنشيط دلالاته بشكل متجدد حينما نجد الاستفهام الاستنكاري لهذا الواقع السيء الذي لم يعد فيه سوى أنات موج على الرغم من أن الموج يحمل في الغالب دلالة القوة والبطش ، إلا أنه بفعل عوامل(طبيعية) لم يعد له هذا القدر من القوة والنشاط كأنه (نهرفقد تمرده) كما يقول فاروق جويدة. ولم تعد إلا الصحارى ، ودلالتها على الخواء الحاصل .


لكن الأدهى من ذلك هو ما وضعنا الشاعر العزيز أمامه حيث يكون المشهد مكونًا من حالتين لا ثالث لهما :أنات الأمواج وهو صوت أنين المجتمع ،وأنات أخرى تختفي خلف القروح.ليكون حال الشكوى هو السائد في الوضعين ويصير المجتمع غير قادر على الخروج من هذه الدائرة ، والتي تعلو –وبشدة- أسهم الأنات المختفية خلف القروح(بفعل فاعل).


وإزاء هذه الحالة من الحركة الحيادية المتجمدة والصور المتسقة ذات الدلالات المفترض فيها الحيوية يفاجئنا شاعرنا العزيز بهذه الصورة الصادمة لسيقان المبياني الصم ، لتأتي صورة صامتة لكنها ناطقة بآالاف الأحرف والمعاني الحزينة . لم تكن تلك المباني أهرامًا تقدس فيها آثار الماضين ولا معابد يرتل فيها الحب ..،وإنما تاتي بدلالتها المتجبرة المتغطرسة لتكوي القلب غيظًا على وجودها بهذا التبجح قرب النيل وعلى مرأى ومسمع من خضرته الزكية ولم يتمرد النيل عليها ولم يأخذ من حجارتها حتى تفنى .إنه الخطاب الموجه إلى المجتمع ذلك الذي يحتاج على مر الدهور إلى من يوقط فيه هذا العنقوان.


كان مما ميز النص وجود كلمة سيقان والتي عبرت عن حالة تواجد مغاير في دلالته الاعتيادية ليكون وجودًا (له جذور) بعكس المعتاد ، لتكون المباني ذلك الفساد \الجشع الذي غرس في طمي النيل أصوله،وطالما أن له سيقانه فلابد أن ترتوي –أسفًا- من ماء هذا النيل المبارك.


وإذا كان تفسر العديد من النصوص يخضع لثقافة القارئ ، قربما نضيف بعدًا دينيًًًا هو حديث يشير إلى أن منابع النيل من الجنة ، وحينئذ سننفتح على العديد من التأويلات التي لا داعي للدخول فيهامنعًا للتشتت.


ولعل هذه الثقوب في ذاكرة النهر بدأت من سيقان هذه المباني التي رقعت بكارة طميها ليكون سد هذه الثقوب وانبعاث الفيضان واقعًا يحتاج إلى جهد جهيد،كيف لا وهناك(السد العالي)؟!


بعد ذلك نجد أننا أمام نقلة تعتمد على هذه الصور العادية التي يعيد صياغتها لأبجديات الصورة الذهنية للنيل ،المكونة من الصيادين والشباك ،الفلاحين والغرس ،والشاي والرغيف وكلها أشياء لها قيمتها الحنينية في ذات الإنسان المصري،وهذه الصور تستتحيل أدوات لنقل هذا الواقع المرير واستنهاض المجتمع نحو فيضان النيل مرة أخرى.


وهذه الصورة لجندول طه وفيها إشارة إلى قصيدته الجندول وصورة الفلاحات وما تعبثه من بهجة في النفس صارت كئيبة بسبب الحصاد المر أظنها غير مناسبة للجو النفسي ،فالجندول كان عن ليالي فينسيا وبين كرنفال فينيسيا وبهرجته وبين نساء فينيسيا وهدوء النيل ووداعته وفتيات مصر فرق كبير يجعل وجود الجندول –في رأيي المتواضع-إكمالاً لإحدى لزوميات قصائدك وهي الموروث (تاريخي-ثقافي-ديني-اجتماعي..وأمام مجموعة من التركيبات الرائعة كعجين القهر والشاي المحلى بلون الصبر،شباك الحلم ...ثقف القارئ وقفة تقدير لهذه الفرادة في التركيب وفلسفة كل الأشياء بطعم ولون ورائحة الحاضر،فيكون القهر عجينًا ولعلها إشارة إلى أن الإنسان هو الذي صينعه بنفسه دون أن يدري وتكون تلك الشباك دالة على سذاجةلا متناهية عندما يكون الحلم محاصرًا بهذه الطريقة ثم هو ملقى في البحار فإن نجا فإنه سيغرق في البحر ،كذلك التعبير القائم على انعكاس الدلالة في المحلى بلون الصبر في إشارة إلى قوة تأثيره الحزين والذي يغني عن الذكر والتصريح بذلك .


ويلجأ شاعرنا بعد ذلك إلى مناجاة النيل من خلال الماضي السعيد مستخدمًا في ذلك الألفاظ ذات الدلالات البهيجة والعوالم السحرية في التعبيرات خمر الأماني-ابتسامات الرواني –الرقص ليعيد شحن النيل بمكوناته العظيمة التي ينبغي أن تعيد تدفقه كما اعتاد .
__________________
هذا هو رأيي الشخصي المتواضع وسبحان من تفرد بالكمال

***
تهانينا للأحرار أحفاد المختار





آخر تعديل بواسطة المشرقي الإسلامي ، 08-04-2010 الساعة 06:22 PM. السبب: تكبير الخط
المشرقي الإسلامي غير متصل   الرد مع إقتباس