عرض مشاركة مفردة
قديم 28-05-2013, 12:49 PM   #6
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,367
إفتراضي

من أكثَر معرفة بحال العرب.. الغرب أم العرب؟

(1)


لقد اكتشف الغرب فينا ما كنا قد اكتشفناه من قبله، أو لا زلنا نكتشفه حتى اليوم، لكن اكتشافه لنا يتم توظيفه في خدمة مصالحه بشكل ممنهج. واكتشافنا لأنفسنا لا يتعدى المعرفة السطحية بالشيء، الذي لا يتبعها أي انفعال إجرائي، مثلما نعلن أننا نعرف أن لدى الكيان الصهيوني رؤؤس نووية، وأن إيران تعمل على تصنيع القنبلة النووية، حسناً، فماذا ترتب أو يترتب على تلك المعرفة؟

إن الغرب ـ اليوم ـ وأكثر من أي وقت مضى، يريد لنا غير ما نريده لأنفسنا.. نحن نريد (الحداثة) أي زعزعة أركان الفساد وهدم البناء الذي يأوي بؤر الفساد، وهو يريد لنا (التحديث) أي إبقاء ما هو قائم وتزيينه بزينة كاذبة وتعطيره وصبغه بمُحسنات من صنعه هو ولكن لا يستعملها!

نحن نصبو الى التحرر والوحدة، وهو يفرض علينا الدكتاتورية (الأبوية) باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان.. كيف؟؟

ولكن ـ مع الأسف ـ لم تعد الوحدة مطلباً صارماً، كما كانت في خمسينات وستينات القرن الماضي، بل أصبحنا نلهث لإبقاء الدولة القطرية على ما هي عليه، فرفعت شعارات (الأردن، العراق، اليمن، ليبيا أولاً) ليس حباً بالشعار نفسه بل خوفاً من تجزئتها.. فلم تعد السودان سودانا موحدا ولم تعد العراق كما كانت وكذلك ليبيا وغيرها من الدول التي تسير في طريق مظلم.. والجيران الأعداء يسيل لعابهم لإلغاء الحدود القديمة وضم أجزاء من الوطن العربي إليهم (الكيان الصهيوني؛ إيران؛ تركيا).

(2)

لم يعد الغرب في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، كما كان في عام 1916 عندما أمسك وزيرا خارجية بريطانيا وفرنسا المسطرة والقلم ورسموا حدود البلدان العربية، فكانوا هم في عصر (حداثتهم) واستخدموا قواتهم بشكل مباشر لفرض واقع خرائطهم. واليوم، هم في مرحلة (ما بعد الحداثة) ومرحلة تفكيك المنطقة مستخدمين أدوات محلية، كما يستخدم محرك الجمر الملقط لكي لا يكتوي بالنار.. وهدفهم واضح جداً وهو جعل أي تكتل وطني مستحيلاً ليقف في وجه الكيان الصهيوني، ذلك المشروع المكمل للمشروع الإمبريالي الغربي.

للأمانة، كان المفكرون العرب منشغلين بالكيفية التي سيواجهون فيها نوايا الغرب المبيتة للعرب والتي في طريقها الى التنفيذ، وناقشوا كل الاحتمالات في التعامل مع تلك النوايا وقد كتب (علي حرب) في كتابه (نقد الحقيقة) (( هل نختار الانغلاق واستبعاد الآخر، أم نختار الاقتباس من الغرب والإفادة منه فكراً وعلماً وثقافة؟))*1

وتساءل محمد عابد الجابري (( هل للعرب مستقبلٌ لا يدخل فيه الغرب؟ لكن الإشكالية ليست إشكالية اختيار، بل إشكالية معرفة))*2

ولكن مُطاع الصفدي يشكك في مقدرة المثقفين العرب فيقول: إن المثقفين العرب بأكثريتهم لا يعرفون المشروع الثقافي الغربي، وهم إن عرفوه لا يقرءوه، وإن قرءوا بعضه لا يفهمونه كله. لكن كيف لهم أن يفهموه الفهم الصحيح إن هم لم يمتلكوا اللغة وناصية النقد الحضاري والحد الأدنى من الفكر الفلسفي؟ لقد حدد موقف المثقفين العلمانيين العرب إزاء مشروع الحداثة وما بعد الحداثة ممارسة فكرية مختلفة. فالقادرون منهم على القراءة، أي المتمكنون من اللغات الأجنبية ومن المنهجية النقدية التفكيكية، وبخاصة أساتذة الجامعات والباحثين في المعاهد الغربية، هم بمعظمهم أكاديميون يحاولون محاكاة النقاد والكتاب الغربيين ويخضعون كتاباتهم لإشكالات تقع خارج إشكالات مجتمعاتهم التي قدموا منها. ومنهم من يتفوق في حقل اختصاصه ويكافأ على إنجازاته العلمية والفكرية، فيزيد انتماؤه للنظام الثقافي الذي يعيشه ويبتعد عن حضارته الأصلية وتزداد الهوة والمسافات*3 **

(3)

لكن ما هو الذي اكتشفه الغرب فينا؟ وكيف تم استغلاله استغلالا آذانا ويؤذينا؟
لقد اكتشف الغرب شيئاً يتعلق بمركزية (الأنا) في النظام الأبوي العربي، وعملوا جاهدين بدأب مستمر للنفاذ الى المجتمعات العربية من خلال تغذية هذا النظام، وأعلنوا بوضوح شديد عن استهتارهم بكينونتنا الحضارية، وكانت أي بادرة جادة تقترب من خلاصنا مما نحن فيه تثير لديهم الرعب، فهذا جون ديوي يعلن: لا يخيفنا نحن الأمريكيين شيء، بقدر ما يخيفنا أن نسمع بأن مخلوقاً مضللا في مكان متأخر من الكرة الأرضية ينادي بما نحن نطبقه.*4

ولم تكن نرجسية (جون ديوي) صادرة عن شخص بعينه بل تتبناها مدارس فكرية متواصلة، وقد عبر عنها بغطرسة أكثر المفكر الاقتصادي الأمريكي والحائز على جائزة نوبل للاقتصاد (بول صامويلسون) في حديث له مع مجلة (إيكونومست الصادرة بتاريخ 23/8/1997 الصفحة 13 من المجلة) عندما قال: ((أنا لا أعير اهتماما بمن يكتب قوانين الأمم.. ما دام كان بوسعي أن أكتب لتلك الأمم مناهجهم المدرسية والجامعية في السياسة والاقتصاد))*5

وكان يقصد من كلامه على وجه التحديد أن الولايات المتحدة وفكرها المسمى ب (الليبرالية المحدثة)، هو من يتحكم بطبائع تفكير القيادات التي تتبوأ مراكز القيادة في الدول، ويساعدها في ذلك السياسة الاقتصادية التي تتحكم بها أذرع تمسك خيوطها الولايات المتحدة نفسها (البنك الدولي للولايات المتحدة85% من حقوق التصويت فيه).

على أن ما اكتشفه الغرب قد عبر عنه بنموذج رائع (مصطفى حجازي) عندما قرأ أسطورة فرويد الرمزية حول (قتل الأب). في هذه الأسطورة يقتل الأبناء أب الرهط البدائي الذي استحوذ لنفسه على نساء الرهط وقمع أبناءه وكبتهم. لكن بعد قتل الأب يُصيب الأبناء شعور بالذنب يدفعهم الى عقد اتفاق في ما بينهم يحرم القتل في الرهط ويحرم الزواج من نساء الرهط، ويؤدي بالتالي الى تأسيس القانون والديانة الأولى في التاريخ الإنساني. بهذا المعنى يشكل قتل الأب تحرر الأبناء وبداية حياة حرة تقوم على القانون والمساواة لا على إرادة الأب وشريعة الغاب، مما يُشكل نقلة تاريخية من جمود المجتمع البدائي الى فعل الحركة والتغيير فيه [فعل تحول التاريخ الآسن الى التاريخ المتحرك، يطلق قوة الحياة المتجددة]*6

لكن من نقتل؟ الأب الشخص أم الأب الفكرة؟

يتبع
هوامش
*1ـ علي حرب/ نقد الحقيقة/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي 1993 صفحة 83
*2ـ محمد عابد الجابري/ إشكاليات الفكر المعاصر/بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية 1989 صفحة 172
*3ـ مُطاع الصفدي/ نقد العقل الغربي: فلسفة الحداثة ما بعد الحداثة/ بيروت: مركز الإنماء القومي 1990 صفحات 10ـ13
** الحداثة وما بعد الحداثة: تشير الحداثة الى فترة التنوير من نهاية القرن الثامن عشر الى منتصف القرن العشرين؛ وما بعد الحداثة تلك التي بدأت من منتصف القرن العشرين الى يومنا.

*4ـ جون ديوي: الفردية: قديماً وحديثاً/ ترجمة: خيري حماد / مراجعة: مروان الجابري/ بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة 1979 ـ الكتاب الأصلي تم تأليفه عام 1929، صفحة 14
*5ـ من كتاب: اقتصاد يغدق فقراً/ تأليف: هورست أفهيلد (ألماني) ترجمة: عدنان عباس علي/ الكتاب الأصلي صدر في ميونخ عام 2005، وترجمته بالعربية عام 2007[سلسلة عالم المعرفة]
*6ـ مصطفى حجازي في: مجلة مواقف بيروت (شتاء ـ ربيع 1993) ص55.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس