عرض مشاركة مفردة
قديم 19-04-2019, 10:11 AM   #2
رضا البطاوى
كاتب مغوار
 
تاريخ التّسجيل: Aug 2008
المشاركات: 2,885
إفتراضي

وقطعت ذلك أجمع بالعزلة وترك الاهتمام بأمور الدنيا فلا أحزن على أحد هلك فيها ولا أخاف إلا الله عز و جل وحده فأي خير في لذة وهذا الموت يقفوها وأي دار شر من دار الفجائع جوارا كونوا كرجل خرج مسافرا يلتمس الفضل فغشي مدينته التي خرج منها العدو فأصابوا أهلها بالبلاء في أموالهم وأنفسهم فسلم ذلك الرجل في مخرجه وحمد الله على ما صرف عنه فأنا معتزل في منزلي هذا عن الخطايا بذكر الموت الذي يكرهه الناس فأجد لذكره حلاوة للقاء ربي ولقد عجبت لأهل الدنيا كيف ينتفعون بلذاتها مع همومها وأحزانها وما تجرعهم من مرارتها بعد حلاوتها واشتد عجبي من أهل العقول ما يمنعهم من النظر في سلامة أبدانهم فإنهم يريدون أن يهلكوا أنفسهم كما هلك صاحب الحية قالوا أخبرنا كيف كان مثل صاحب الحية مثل قال زعموا أنه كان في دار رجل من الناس حية ساكنة في جحر قد عرفوا مكانها وكانت تلك الحية تبيض كل يوم بيضة من ذهب وزنها مثقال فصاحب المنزل مغتبط مسرور بمكان تلك الحية يأخذ كل يوم من جحرها بيضة من ذهب وقد تقدم إلى أهله أن يكتموا أمرها وكانت كذلك أشهرا ثم إن الحية خرجت من جحرها فأتت عنزا لأهل الدار حلوبا ينتفعون بها فنهشتها فهلكت العنز فجزع لذلك الرجل وأهله وقالوا الذي نصيب من الحية أفضل من ثمن العنز والله يخلف ذلك منها قال فلما أن كان عند رأس الحول غدت على حمار له كان يركبه فنهشته فقتلته فجزع لذلك الرجل وقال أرى هذه الحية لا تزل تدخل علينا آفة وسنصبر لهذه الآفات ما لم تعد البهائم ثم مر بهم عامان لا تؤذيهم فهم مسرورون بجوارها مغتبطون بمكانها إذا غدت على عبد كان للرجل لم يكن له خادم غيره فنهشته وهو نائم فاستغاث العبد بمولاه فلم يغن عنه شيئا حتى تفسخ لحمه فجزع الرجل وقال أرى سم هذه الحية قاتلا لمن لسعته ما آمن من تلسع بعض أهلي فمكث مهموما حزينا خائفا أياما ثم قال إنما كان سم هذه الحية في مالي وأنا أصيب منها أفضل مما رزيت به فتعزى بذلك على خوف ووجل من شر جوارها ثم لم يلبث إلا أياما حتى نهشت ابن الرجل فارتاع والده لذلك ودعا بالجواء والترياق وغيره فلم يغن عنه شيئا وهلك الغلام فاشتد جزع والديه عليه ودخل عليهما ما أنساهما كل لذة أصاباها من الحية فقالا لا خير لنا في جوار هذه الحية وإن الرأي لفي قتلها والاعتزال عنها فلما سمعت الحية ذلك تغيبت عنهم أياما لا يرونها ولا يصيبون من بيضها شيئا فلما طال ذلك عليهما تاقت أنفسهما إلى ما كانا يصيبان منها وأقبلا على جحرها بالبخور وجعلا يقولان ارجعي إلى ما كنت عليه ولا تضرينا ولا نضرك فلما سمعت الحية ذلك من مقالتهما رجعت فتجدد لهما سرور على غصتهما بولدهما وكانت كذلك عامين لا ينكرون منها شيئا ثم دبت الحية إلى امرأة الرجل وهي نائمة معه فنهشتها فصاحت المرأة فثار زوجها يعالجها بالترياق وغيره من العلاج فلم يغن شيئا وهلكت المرأة فبقي الرجل فريدا وحيدا كئيبا مستوحشا وأظهر أمر الحية لإخوانه وأهل وده فأشاروا عليه بقتلها وقالوا لقد فرطت في أمرها حين تبين لك غدرها وسوء جوارها ولقد كنت في ذلك مخاطرا بنفسك فولى الرجل وقد أزمع على قتلها لا يرى غيرى ذلك فبينما هو يرصدها إذ طلع في جحرها فوجد فيها درة صافية وزنها مثقال فلزمه الطمع وأتاه الشيطان فغره حتى عاد له سروره هو أشد من سروره الأول فقال لقد غير الدهر طبيعة هذه الحية ولا أحسب سمها إلا قد تغير كما تغير بيضها فجعل الرجل يتعاهد جحرها بالكنس والبخور ورش الماء والريحان وكرمت عليه الحية والتذ الرجل بذلك الدر التذاذا شديدا وأعجبه ونسي ما كان من أمر الحية فيما مضى وعمد إلى ما كان عنده من الذهب فعمل به حقا فجعل ذلك الدر فيه وجعل موضع ذلك الحق بجنب رأسه فبينما هو نائم إذ دبت إليه الحية فنهشته فجعل يغوث بصوت عال فأقبل إليه جيرانه وأقاربه وأهل وده فأقبلوا عليه باللوم له فيما فرط من قتل الحية فأخرج إليهم الحق فأراهم ما فيه واعتذر مما عجزوا فيه رأيه فقالوا ما أقل غناء هذا عنك اليوم إذ صار يغرك وهلك الرجل فقال إخوانه الذين أشاروا عليه بقتل الحية أبعده الله هو قتل نفسه وقد أشرنا عليه بقتل الحية ولقد عجبت لأهل العقول يعرفون الأمر الذي ضربت هذه الأمثال له ولا ينتفعون بالمعرفة كأنهم يرجون الثواب على المعرفة بالقول والمخالفة بالعمل ويل لأصحاب المعرفة الذين لو قصرت عنهم عقولهم لكان أعذر لهم ويل لهم ويل لهم لو قد أصابهم ما أصاب صاحب الكرم قالوا أخبرنا وكيف كان مثل صاحب الكرم مثل قال أنطونس زعموا أنه كان رجل له كرم واسع كثير العنب متصل الشجر مثمر فاستأجر لكسح ذلك الكرم وحفظه ثلاثة نفر ووكل كل رجل منهم بناحية معلومة وأمره بحفظ ناحيته وكسحها وقال لهم كلوا من العنب ما شئتم وكفوا عن هذه الثمار فلا تقربوها فتحل بكم عقوبتي واعلموا أني متفقد عملكم وناظر فيه وإياكم والتعدي لما أمرتكم به فتوجبون على أنفسكم العقوبة فأقبل أحدهم على حفظ ما أمر به من الكرم وكسحه ونزع العشب منه وقنع بأكل العنب وكف عن أكل الفاكهة التي نهي عنها وأقبل الثاني على مثل صنيع صاحبه الأول حينا ثم تاقت نفسه إلى أكل الثمار فتناولها وأقبل الثالث على أكل الثمار وترك العمل فضاعت ناحيته وفسدت
وقدم صاحب الكرم لينظر إلى كرمه ويتفقد ما عمل أجراؤه فبدأ بالنظر في عمل الأول فرأى عملا حسنا وتوفيرا وكفا عما نهاه عنه فحمده وأعطاه فوق أجره فانقلب راضيا مغتبطا مسرورا ونظر في عمل الثاني فرأى عملا حسنا ورأى في الثمار فسادا قبيحا فقال ما هذا الفساد الذي أرى قال أكلت من هذه الثمار قال أولم أنهك عن ذلك قال بلى ولكن رجوت عفوك إلي وإحسانك قال ذاك لو لم أكن تقدمت إليك في الكف عن أكل الثمار ولكني لست أعتدي عليك في العقوبة إلا بما أذنبت ونظر في علم الثالث فإذا هو قد أضاع الكرم وأكل الثمار فقال له ويحك ما هذا قال هو ما ترى قال أرى عملا قبيحا وفسادا كثيرا وسأبلغ من عقوبتك ما أنت أهله فلما عرض أمر هؤلاء الأجراء على الناس قالوا الأول نعم الأجير كان وقد أحسن إليه صاحب الكرم وأعطاه أفضل من أجره وقالوا للثاني عمل الأحمق ولم يتم عمله لو صبر عما نهي عنه من أكل الثمار لأصاب من صاحب الكرم مثل ما أصاب صاحبه وقالوا للثالث بئس الأجير ضيع ما أمر به ثم أكل ما نهي عنه فهو أهل لما لقي من شر فهكذا أعمالكم يا معشر الحكماء في الدنيا تصير إلى ما صار إليه هؤلاء الأجراء في اليوم الذي تجزى فيه كل نفس بما عملت قال أنطونس ولقد عجبت لأهل الأمل وطمعهم في طول العمر فوجدت أعدى الناس للناس الأولاد لآبائهم عمل آباؤهم في الاستكثار لهم وأتعبوا أبدانهم في إصلاح معايش غيرهم بهلاك أنفسهم وشاركهم في اللذة غيرهم فأفردوا بالسؤال عما كدحوا كصاحب السفينة قالوا وكيف كان مثل صاحب السفينة مثل قال زعموا أنه كان رجل نجار كان يعمل بيده فيصيب في كل يوم درهما ينفق نصفه على أب له شيخ كبير وامرأة له وابن وبنت ويدخر نصفه فعمل زمانا عايشا بخير فنظر يوما فيما عمل وما كسب فإذا هو قد استفضل مئة دينار قال والله إني لفي باطل من عملي هذا ولو عملت سفينة واستقلت تجارة البحر رجوت أن أتمول فهو خير من عمل القدوم فلما عرض ذلك من رأيه على أبيه قال يا بني لا تفعل فإن رجلا من المنجمين أخبرني أيام ولدت أنك تموت غرقا قال فما أخبرك أني أصيب مالا قال بلى ولذلك نهيتك عن التجارة والتمست لك عملا تعيش فيه يوما بيوم قال أما إذ كان في قوله أني أصيب مالا فوالله ما جل إصابة المال إلا في التجارة في البحر قال يا بني لا تفعل فإني أخاف عليك الهلاك
قال أليس يكون لي مال إن عشت عشت بخير وإن مت تركت أولادي بخير قال يا بني لا يكونن ولدك آثر عندك من نفسك قال لا والله ما أنا بنازع عن رأيي فعمل سفينة وأجاد عملها ثم حملها من صنوف التجارات ثم ركب فيها فغاب عن أهله سنة ثم قدم عند تمام الحول بقيمة مئة قنطار ذهب فحمد الله والده وأثنى عليه وكره له ما أصاب من المال فقال له يا بني إني كنت نذرت لله عز وجل إن ردك الله سالما أن أحرق سفينتك
قال يا أبتي لقد أردت هلاكي وخراب بيتي قال يا بني إنما أردت بذلك حياتك وقوام بنيك وأنا أعلم بالأمور منك وأراك قد وسع الله عليك فأقبل على العمل برضوان الله تعالى والشكر له فإنك قد أصبت غني الدهر وأمنت بإذن الله من الفقر وإنما أردت بما جعلت علي السلامة لبدنك فلا تفجعني يا بني بنفسك
قال أليس الحق أحب إليك من الباطل قال بلى قال فما أريد أن أقيم إلا أياما حتى أرجع فأجول جولة أصيب فيها أضعاف ما قد ترى فخرج فغاب سنة وبعض أخرى ثم قدم بأضعاف ما قدم به أول مرة من الأموال ثم قال لأبيه كيف ترى لو أني أطعتك لم أصب من هذا المال شيئا قال أبوه يا بني أراك تعمل لغيرك ولوددت أن هذا صرف عنك في سلامة بدنك وسيجرعك ما ترى غصة فتتمنى لو كان بينك وبين هذه اللذة جبال المشرق قال يا أبتي إنما دعاك إلى هذا قول المنجم وأنا أرجو أن يكون قد أصاب في الغنى وأخطأ في الغرق ثم أمر بصنعة سفينة أخرى فلم يقم إلا أربعين ليلة حتى أجمع أن يركب البحر فقال له أبوه أما أنه ليس يمنعني من الإلحاح عليك في هذه المرة إلا ما قد يكون من معصيتك في المرة الأولى فقد رأيت أشياء صدقت عندي قول المنجم وانسكبت عيناه بالدموع فرق لذلك ابنه وقال يا أبت جعلني الله فداك اصبر لي مرتك هذه فوالله لئن ردني الله سالما لا ركبت بحرا ما عشت قال الشيخ يا بني اليوم والله أيقنت بفقدك والله لا ترجع من هذا الوجه حتى ترجع الشمس من مغربها ثم تلهف عليه وبكى إليه وناشده الله فلم يسمع مقالة أبيه ولم يمنعه أن خرج في سفينتين قد شحنهما تجارة فلما توسط موج البحر أصابه راموز شديد فأصابت إحدى سفينتيه الأخرى فانصدعتا فغرقتا فذكر التاجر وهو يسبح مقالة المنجم وتلهف على عصيانه والده وهلك هو وجميع أصحابه بعد سباحة يوم فنبذهم البحر إلى الساحل من منزل أبيه على مسيرة يومين فلم تمر بهم أيام حتى وصل إلى الشيخ الخبر فصبر واحتسب ونحل وكمد حتى هلك أيضا وقسم الميراث على امرأة التاجر وابنه وابنته فتزوج ابنه وتزوجت امرأته وابنته فصار ما جمع إلى زوج امرأته وزوج ابنته وامرأة ابنه وكل ما يجمع الأشقياء إلى ذلك يصير ولقد عجبت للمدخر عن نفسه والمؤثر لغيره فويحك قاتل همومك بخفة المال وتبلغ بالكفاف تبلغ المنزل وادخر الفضل لنفسك ولا تؤثر غيرك فتلقى ما لقي صاحب الحوت
قالوا وما الذي لقي صاحب الحوت مثل قال أنطونس زعموا أن صياد سمك أصاب في صيده حوتا عظيما سمينا فقال ليس مثل هذا يباع يوما أحد أحق بأكله مني ثم بدا له أن يهديه إلى جار له من الحكماء فلما أتاه به دعا للصياد بعوض منه فأبى الصياد أن يقبله فقال له الحكيم فما دعاك إلى هذا لعل لك حاجة تحب قضاءها فقال لا ولكن أحببت أن أوثرك به قال قد قبلته ثم أمر خادما له فقال أذهب بهذا الحوت إلى جارنا هذا المقعد المسكين فلما رأى ذلك الصياد ضرب جبهته وقال يا ويله مما حرم نفسه من أكل هذا الحوت ثم صار إلى أعدى الناس له قال الحكيم إن هذه الأثرة التي ترى
رضا البطاوى غير متصل   الرد مع إقتباس