الموضوع: ثقب في بئر
عرض مشاركة مفردة
قديم 28-07-2010, 01:16 PM   #2
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

(4)

نذير شاكر، سائق المدير، ورئيس اللجنة النقابية في الدائرة، يقل طوله عن المترين بقليل، ويكوي بذلته الزرقاء يومياً، التي تظهره وكأنه نموذجاً لإعلانات (الضمان الاجتماعي) ويحلق ذقنه كل يوم بعناية فائقة، منذ أن تحول من سائق ساحبة زراعية، الى السائق الخاص للمدير، بناءً على توصية المكتب الحزبي، ويقف أمام مكتب المدير ويتكلم مع فراش الدائرة، وكأنه يريد تجريب صوته لبداية دوامه، كالذي يريد تجريب الحاكي (الميكرفون) في بداية احتفال.

يدخل نذير غرفة المدير ويسأله: تحب أن تشرب شيئاً، أستاذ؟
ـ دعه يحضر لي كوب (قُندار: ماء مغلي مع سكر فقط).
يدخل فني الساحبات، وأحد موظفي المخازن ليتابعا بعض طلباتهم، بوجود مهندس المشاتل (حلمي) الذي كان أحد المكلفين بتدوين هدر الوقت عند عمال المشاتل، ويجلس الثلاثة في مراقبة المدير الذي مر على موعد تقاعده عشرة أعوام، وقد عمل في أربعة عهود حكم مختلفة، ابتداءً من العهد الملكي. وكان من يراه بشعره الأشيب والذي تقف كل شعرة منه بشكل عمودي على جمجمته، دون أن تلتصق شعرة بأختها، يُهيئ إليه أنه بحضرة شارل ديغول.

يحاول نذير استعراض مهاراته عله يثبت جدارته في تسلم مهامه الجديدة، من سائق المدير الى رئيس اللجنة النقابية، كان كصياد رمى شبكته في بحر المصطلحات، فأخرج منها ما يعرف استعماله وما لا يعرف، فأخذ يتحدث عن حدث مر في إحدى الدول العربية وأرجع ذلك لتواطؤ الكمبرادورية مع القوى الغاشمة!

كان يعلم، أن مديره لن يعترض على شيء، ولن يعقب الموظفان اللذان جاءا لمتابعة شؤونهما، على ما يقول.

سأله المدير: سيد نذير..
كان حرف السين يخرج مرتبكاً وغير نموذجيا من بين ما تبقى من أسنانه الملخلخة.
ـ نعم أستاذ
ـ ما هو اليوم من الأيام؟
ـ اليوم هو الثلاثاء أستاذ.
يتدخل موظف المخازن ليقول عبارته اليومية: والله الأيام سريعة أستاذ.

لم يكن عمال وسواق وفنيو المنشأة يخشون من نذير ولم يحسدوه على مركزه، فلم يثبت بؤبؤا عينيه بمكانهما لأكثر من ثوانٍ، كما أنه لم يكن خبيثاً أو من أولئك الذين يوشون بزملائهم، وكان أكثر مكتسباته التي يحققها من مركزه هو الجلوس بغرفة المدير، والاستماع لأحاديث زواره، ولم تؤرق تلك المكتسبات الكثير منهم حتى يحصلوا عليها.

لم يكترث نذير لأي موظف ولا مسئول في الدائرة، لكنه كان يخشى من رئيس الفنيين والسواق (عبد الغني)، فرغم أنه لم يكن نقابياً ولا حزبياً، إنما كان يحمل وسامي عمل رفيعين كونه قد حل مشاكل ميكانيكية، في حصاد البطاطس، وزراعة أقلام الغرس، فوفر على الدولة 70% من استخدام العمال اليدويين، كما أنه حل مشكلة تجريح درنات البطاطس التي تتعرض لها أثناء قلعها بالآلات الروسية، فجمع بين آلة قلع البطاطس الروسية وآلة فنلندية وأضاف عليها بعض لمساته المبدعة.

كانت طريقة (عبد الغني) في التعامل مع السواق والفنيين قاسية وكلماته نابية، وأحياناً يستعمل يديه في لطم الفني على رأسه أو وجهه بما فيهم (نذير). ومع ذلك كان الجميع يحبه حباً شديداً فهو يعلمهم ويربيهم بطريقة قاسية فيستفيدون منه في تنمية مهاراتهم المهنية، كما كان يحظى باحترام المسئولين ليس في الدائرة فحسب بل في عموم البلاد.

التفت نذير نحو المهندس حلمي، وقال له: لقد وجدت لك البيت، إنه بعيد من هنا حوالي سبعة كيلومترات. وخرجا الاثنان خارج مكتب المدير لإكمال حديثهما.

(5)

كان المهندس حلمي بسنواته الست والعشرين، ابن بلد عربي آخر ، وكانت زوجته (إلهام) الطالبة في كلية التربية، وطفلته الرضيعة(رُبى) معه في إقامته بالمدينة، ولكنه كان يبحث عن بيت آخر، وقد علم زملاؤه في فريق البحث عن وضعه، فقاموا بالتنسيق معه للسكن قرب منازل أحد العمال المشمولين بالدراسة، ليتسنى له الوقوف على تفاصيل قد تفيد في استنتاجات الدراسة.

كانت وجه زوجته إلهام بلون أقرب للشحوب منه الى الحمرة، وكان بصوتها بُحة تفقدها التحكم بارتفاع صوتها وخفضه، بشكل سوي، وكانت تختار طريقة بالكلام، اعتقدت هي أنه يجب التكلم بها في أجواء الجامعة والمدينة. كانت ترتدي زي الجامعة كبقية الطالبات بتنورة رمادية وسترة زرقاء غامقة وقميص أبيض، رغم أنها تحتفظ ببعض فساتين العرس.

لم يستطع صبحي تصنيف مشاعر زوجته، عندما أخبرها، بوجوب الانتقال الى بيت آخر، وكان قد وضع مبرراً لتحبيب الانتقال الى نفسها، وهو أن هناك أحد عمال المشاتل يسكن بجوار البيت الجديد، وامرأته قد وعدت بأنها ستبقي طفلتهم عندها لحين عودة الأم من الجامعة.

لم يكن أثاث بيتهم من الكثرة بمكان، حتى يعيق توظيبه لنقله من بيت لآخر، فقد كان يكفي لشاحنة متوسطة حمله مرة واحدة.

كانت إلهام، وهي تعد الملابس وتضعها في حقائب استعداداً لنقلها، وتضع الجرائد بين مواعين الزجاج وأدوات المطبخ، تتساءل: ماذا لو كنت قريبة من أمي ومن شقيقاتي، وهل يساوي ثقل تلك الغربة والدراسة ما قد سيؤول إليه الوضع بعد التخرج؟ ثم لماذا الدراسة، فأن تحصل الفتاة على شهادة جامعية، هو من الأسباب التي تجعل سوقها أفضل للزواج، فماذا عنها هي: أليست متزوجة وأم لطفلة؟

تذهب لتعد وجبة لطفلتها، وتبتسم كأنها تدحض المسلمات التي أوردتها في تساؤلاتها: من يقول أن الخريجات الجامعيات أكثر طلباً للزواج من غيرهن؟ ومن يقول أن تلك الشهادات إذا ما تزوجن ستنفعهن بشيء؟ قد تتأفف الفتاة الجامعية وتتعالى على من يطلب يدها، وقد يتردد من يريد طلب يدها لأنه لم ينه دراسته الجامعية، وقد تكتفي الخريجة بقراءة ترجمة الأفلام الأجنبية وهي تعد وجبة من المحاشي لزوجها.

(6)

حضرت حليمة زوجة (دخيل) وابنتاها (فتنة) و (زاري) ليساعدن زوجة الأستاذ حلمي، في ترتيب أغراض البيت، وحملت (زاري) وهي الصغرى بين البنتين، حملت رُبى بين ذراعيها وأخذت تناغيها؛ فيما راحت البنت الكُبرى وأمها تتفحصان الأغراض، وقطع الأثاث، فكانتا مندهشتين لجمال تلك القطع، وغرابتها في نفس الوقت، رغم بساطة قطع الأثاث وتواضع أسعارها.

كانت تنبعث من حليمة وابنتيها رائحةٌ، هي خليط من الزبد المتغلغل بين خيوط نسيج ملابسهن، والذي تحايل على مساحيق الغسيل المتواضعة والتي كانت تدلق عليه مع ماءٍ بشكل متناوب بالشهر مرتين أو ثلاثة عندما تكون هناك مناسبة تستوجب الخروج على المعتاد، مع رائحة اليوريا والنشادر المنبعثة من الاحتكاك بحظيرة الأبقار يومياً.

كان على إلهام أن تتمرن، على تقبل تلك الصديقات وروائحهن، كعطاءٍ (بالإلزام) وقع عليها.

لم يدرْ بخلد إلهام، أنها ستفاتح زوجها بذلك الوضع، فأمامها سنتان حتى تتخرج، وربما تُفرج الأمور بعد ذلك ويعود الجميع بسلام لبلدهم.


__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس