الموضوع: ثقب في بئر
عرض مشاركة مفردة
قديم 23-08-2010, 02:44 PM   #3
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

(7)

عندما عادت (إلهام) من الجامعة قبل الظهر بقليل، وذهبت الى إحضار طفلتها من بيت دخيل، وجدت أن الطفلة نائمة ومغطاة بالغطاء الخاص الذي تأخذه معها أينما ذهبت، في حين كان وجهها مغطى بقماشٍ خفيف مشبك يسمح للطفلة أن تتنفس ولا يسمح لجمهرة الذباب أن تخترقه..

لمحت (إلهام) حليمة امرأة دخيل، وهي رابضة أمام وعاءٍ مسطح، خلط فيه القمح المجروش والبيض المسلوق، وفي جانبها وعاء عميق مصنوع من قش القمح، وضعت فيه صغار طيور الحبش (الديك الرومي: علي شيش)، كانت حليمة تحضر أحد الكتاكيت الصغار بيدها اليسرى، وتُعد له لقمة بيدها اليمنى من الخليط، فتضغط بطرف إبهام يدها اليسرى على أسفل منقاره، فينفرج ما بين طرفي المنقار، فتناوله بيدها اليمنى اللقمة الملائمة لفتحة منقاره.. وتنتقل الى كتكوت آخر بالتناوب، ثم تعاود الكرة على الكتاكيت حتى ينتهي ما في الوعاء من غذاء.

سألتها: هل يا حليمة تطعمين أولادك مثل هذا الغذاء المُدلل (بيض بالجريش)؟
ضحكت حليمة، لا لعجزها عن الإجابة، بل لجلال مناسبة طرح السؤال، فلم يخطر ببالها أن تتلقى سؤالاً من هذا النوع.. فكثيرة هي الأسئلة التي ممكن طرحها إذا أجيز طرح هذا السؤال، فأحياناً يقدم التبن والشعير لحمار طيلة عام، في حين أن الحمار لم يقدم خدمة بما يعادل طعام أسبوع، وغير ذلك كثير!

عندما لم تتلق إلهام جواباً على سؤالها، أرادت مصالحة حليمة بتخفيف شكل السؤال: هل تأكلون من هذه الطيور عندما تكبر؟
تلعثمت حليمة، حيث لم تتذكر بسنين عمرها الخمسين أنها أكلت من تلك الطيور، حتى بيضها، فأجابت: لا لم نأكل منها..

خرجت إلهام على تقيدها بالكياسة بعض الشيء وسألت بطريقة سريعة: إذن ما تفعلون بتلك الطيور وبيضها؟
ـ نجمع بيضها، لترقد بعض الإناث عليه، ثم تفقس كتاكيت جديدة..
ـ وماذا بعد؟

نهضت حليمة مسرعةً لتمنع طفلاً رضيعاً في أول سيره من السقوط في (قِدرٍ) للحليب المغلي، الذي وضع جانباً حتى يبرد، وتضاف إليه بضعة ملاعق من (الزبادي) لصنع لبن رائبٍ.. ربما لم تكن حرارة الحليب هي ما جعلت حليمة تنهض بتلك الهمة، بل هو أن الطفل كاد أن يتخطى أطراف القدر ومؤخرته عارية، فأرادت التخلص من الحرج، حتى لا يُنسب لبيت دخيل عدم انتباههم في إنتاج لبن نظيف! أو قد تكون حليمة وجدت في تمثيل دور المنقذ للطفل، مَخرجاً من الملاحظات والأسئلة المتتالية التي كانت تصدر عن إلهام.

حملت إلهام طفلتها ربى وخرجت وهي لا تزال تفكر بظاهرة الاهتمام بصغار الديك الرومي والمسار الذي تمر به حياة تلك الطيور! وابتسمت فجأة واستنتجت نتيجة سريعة وغير دقيقة، بأن تعليم البنات في معظم البلدان العربية يشبه تلك الظاهرة، فتتعلم البنت حتى تصبح معلمة فتعلم غيرها من البنات.. وهكذا، وليس من الأهمية قياس ما سيتحقق من تلك العملية..

(8)

كان أبو ماجد شقيقاً للمدير الذي يعمل تحت إمرته المهندس حلمي، يسكن في بيت قريب من بيت حلمي الذي انتقل إليه حديثاً، وقد توطدت العلاقة بينهما بعد أن تعارفا، وكانت إلهام تقضي عند أم ماجد بعض الوقت، وخصوصاً عند اشتداد الحر، ففي بيت أبي ماجد مبردة صحراوية، في حين لم تكن لدى حلمي وزوجته.

كان أبو ماجد يصوم وربما يصلي، ولكنه لم يكن خليعاً، ولا يُحسب على المتزمتين دينياً وطائفياً، وكان بنفس الوقت لا ينسى مراسم طائفته الشيعية خصوصا تلك التي يُصنع فيها الهريسة، وكونه من القومية (الشبكية) كان ترتيب عناوين الأشياء يأخذ شكلاً لا يخلو من نكهة محببة..

عند الظهر، أحضرت ابنة أبي ماجد ماعوناً فيه هريسة لبيت حلمي، فسألها: ما هذا؟ قالت: (هريسة مال حسين) .. طلب منها الانتظار قليلاً، فأفرغ ما في الماعون من هريسة، واستبدله بجزء من طعامهما ( ملوخية بالدجاج)..

حاول تذوق الهريسة، فكانت مزيجاً من اللحم والدجاج والتين المجفف والعدس واللوبيا والبصل، والمشمش المجفف (القيسي) والزبيب (الكشمش)، هرست وتداخلت نكهاتها بحيث يصعب تصنيفها، أهي مع الحلويات، أم مع المأكولات! حمل تلك الأكلة ووضعها في برميل القمامة الذي يشترك فيه بيته مع بيت أبي ماجد..

في المساء عندما ذهب حلمي وزوجته وطفلتهما للسهرة، سأل حلمي أبا ماجد: كيف كانت الملوخية مع الدجاج؟
أجاب: لقد لحقت ب (هريسة مال حسين)!

(9)

حاول حلمي تدوين ملاحظات زوجته عن أسرة دخيل، كم عدد الغرف في البيت، كم عدد أولادهم وبناتهم؟ كم غرفة نومٍ يستخدمون؟ هل لديهم ثلاجة وتلفزيون ومجمدة الخ..

لاحظ حلمي أن زوجته وهي تنقل له المعلومات، أنها تنظر بعين تشبه العين الحاسدة، لكنها ليست كذلك، فهي لم تستهجن أن كل أسرة دخيل المكونة من عشرة أفراد، ينامون في غرفة واحدة، ولم يخطر ببالها حجم المعاناة التي سيلقاها الزوجان في الانفراد دون لفت انتباه الأولاد والبنات، خصوصاً وقد أصبح قسمٌ منهم في سنٍ يستطيع فيها فهم ما يدور حوله.

وعندما استوقف حلمي زوجته وهي تسرد ما استطاعت تذكره بالتفاصيل قائلا: أراكِ تتكلمين عن تلك الأسرة وكأنك مفتونة بما هي عليه من بؤس!
ـ ومن قال لك أنهم بائسون؟ فالبائس هو الذي يرسم شكلاً لحياةٍ يحلم بها ويفني معظم عمره، وهو لم يحقق ثلث ما رسم... أما هؤلاء فإن رسمتهم كما يبدو لي مكتملة ولا يطمحون أكثر من إدامتها، فسعادتهم تتجلى ببساطة متطلباتهم!

ـ هل يُعقل أن هناك أسرة ينام أفرادها كلهم بغرفة واحدة؟
ـ لا تسقط مشاعرك على ما يُعرض عليك بأدوات عقلك أنت، وبمخزون وعاءه من الجائز وعدم الجائز.. إنك تنظر الى الولد الذي عمره خمس عشرة سنة، على أنه غريب، كما هي الحالة كلها غريبة عن عقلك كوعاء وكأداة، ولكن المسألة بالنسبة لدخيل وزوجته تختلف..
ـ كيف تختلف؟
ـ إنهم لم يفارقوا أولادهم وبناتهم منذ اليوم الأول للولادة، فاليوم الأول يتصل باليوم الثاني وهذا يتصل بالثالث حتى يكون اتصاله باليوم الأخير لأعمار بناتهم وأبنائهم.. فقد تعايش الآباء كما تعايش الأبناء مع التطور الزمني بسلاسة ودون تكلف، تماماً، كما يصنع أهل البادية في خيام الشعر ودون أبواب مقفلة وجدران صامتة، وكما كان يصنع سكان الكهوف، عندما كان يعيش عدة عائلات في كهف دون حواجز.

كان حلمي يستمع بشكل جيد، ويحاول مواضعة ما كُلف به مع الخطوط المرسومة بعناية غير فائقة من خلال حديث زوجته التي هي في طريقها للاختصاص في ما تتكلم عنه..
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس