الموضوع: ثقب في بئر
عرض مشاركة مفردة
قديم 13-09-2010, 02:55 PM   #4
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

(10)

جلس فؤاد قبالة المدير الجديد ( غانم)، وبينما كان غانم منشغلاً بقراءة البريد الوارد للدائرة، كان فؤاد يتفحص ملامحه جيداً، كان الحاجبان اللذان يعلوان عيني غانم أبرز ما قد يختاره رسام (كاريكاتير) للتدليل على شخصه، فقد كانا كأنهما كُتلتين من الشعر غير المنظم أضيفتا فوق العينين على عجل من مساعد مخرج ليدللا على شيء، حاول فؤاد تذكر هذا الشيء، فلم يكن الحاجبان يغطيان ما فوق العينين بشكل كامل، ولم يكن شعرهما متجانساً لا بلونه ولا بطوله ولا بتنظيمه، فكانا يتوسطان ما فوق العينين، وبحجم يفوق مساحة القزحية (الجزء الملون من العينين) ولون شعرهما كان بين الأشقر والخروبي، وتدور الشعرات بشكل قريب من الحلزوني، بعكس حواجب الناس التي تسبل بشكل طبيعي.

كان غانم يرفع عينيه بين حين وآخر، يريد مجاملة غانم، دون أن ينطق بكلمة، بل كان يكتفي بمحاولة للابتسام، ثم يعود لمتابعة البريد، قراءة وتوقيعاً.

تذكر فؤاد ما جعله يقف عند حاجبي غانم، فقد كانا يعطيانه ملمح من ملامح الذئب، بحركة العينين وتقطيب الحاجبين، ربط فؤاد المعلومات التي لديه عن غانم مع ثقافته عن الذئاب.

فالذئاب لا تعيش في وسط المدن، ولا تتناول طعامها بطمأنينة، ولا تجازف في خوض معركة خاسرة، فالذئب يغافل راعٍ ويخطف أو يقتل خروفاً متأخراً عن القطيع أو شاة مريضة، ونادراً ما رأى ذئباً، أو سمع عن ذئبٍ في حديقة الحيوان.

كان غانم من قرية ليس بها أي دائرة حكومية، حتى لو كانت مدرسة ابتدائية، وكان سكان تلك القرية يخضعون للحكم المركزي بدرجة تفوق خضوع سكان المدن والقرى الأكبر. شبه فؤاد درجة خضوعهم للدولة دون احتكاك بها بشكل مباشر، بحالة نضج السمك (المسكوف) المتبعة في العراق، حيث تنضج السمكة عن طريق الوهج المنبعث من النار البعيدة عن السمكة المصلوبة على عيدان.

ابتسم فؤاد في سره، واستغل وقت جلوسه دون انشغال، في الانبهار بنظرية الوهج، فقال أن ازدحام المدن والقرى الكبرى يجعل احتمالية وصول أثر الحكم للمواطنين أقل منها في القرى الصغرى و(الضِيَع)، حيث تكون حالات الانفراد أكثر بالقرى عنها بالمدن فيطول الوهج الأشخاص بطريقة أكثر منها في المدن.

(11)

دخل علي محرم، الى غرفة المدير، وكان المدير قد انتهى من معالجة البريد الوارد، وكان يجلس في حضرته، فؤاد وزائرين اثنين آخرين، كانت ملابسهما فاخرة وملامحهما توحي بأهميتهما، وكان الغرض من دخول علي محرم لغرفة المدير، تقديم شكوى من رئيس العمال، ومهندس بساتين الأبحاث.

بينما كان المدير منشغلاً في الرد على الهاتف، مع المدير العام
ـ نعم أستاذ، أمرك أستاذ.
كان علي يسرق جزءاً من نظرة سريعة الى ملابس الجالسين، ويعود الى النظر الى هيئته المبللة والملوثة ببقايا الوحل، فيلتفت الى الخلف ليلقى آثار قدميه الموحلة على أرضية مكتب المدير النظيفة..

انتهى المدير من المكالمة، ولعله كان يجول عينيه على آثار علي محرم، وهو يرد على مخابرة المدير العام، فما كان باستطاعته تنفيذ رغبته بزجره وهو يرد على المكالمة..

ـ (إش عندك) تارك شغلك؟
ـ أستاذ لو سمحت... (توقف علي عن محاولة الحديث) لرنين جرس هاتف آخر من الهواتف الثلاثة التي على منضدة المدير..
ـ خليه ينتظر.. نرى فيما بعد..
ثم يعود علي محرم لمحاولة استئناف الحديث: أستاذ، أنت تعرف أنه..
ـ أعرف ماذا؟ أنت لا تستحي.. امش انصرف الى عملك، وبعدين نشوف..

فرح علي محرم لطرده من مكتب المدير، فقد كانت آثار عيون الجالسين عليه أكبر من أثر ظلم رئيس العمال، وكان يتمنى أنه لم يأتِ ليشتكي..

بهذه الأثناء دخل أحد الحراس الليليين واسمه مصطفى وهو من الأكراد، فيناديه الآخرون للتحبب (مصطو) .. كان يعتمر (جراوية: غطاء رأس خاص بالأكراد) ويتمتع بروح حيوية عالية، وكل من يصادفه من الموظفين والعمال، يحاول أن يجعله يتحدث لينعم بحديث طريف.

المدير: ها (مصطو) (ش رايد؟: ماذا تريد؟)
ـ أستاذ، أريد إجازة..
ـ لماذا تريد الإجازة؟
ـ أريد آخذ (مرتك: امرأتك) للجبل..
ـ (ضاحكاً) ماذا تعمل بمرتي بالجبل؟
ـ أستاذ، ( مو مرتك) أنت، (مرتك أنا).

وقع له المدير طلب الإجازة، بعد أن قدمه كأنه إحدى واجبات الضيافة لضيوفه.

(12)

كان لدى فؤاد وأصحابه تعليمات واضحة، في ما يستوجب مراقبته في شأن الإدارة، فإن كان النموذج السابق من طريقة (الباب المفتوح) حيث يدخل المستخدمون الى غرفة المدير دون موانع، لا يؤدي نتيجته فإن هناك صيغٌ أخرى يجب الإيحاء بها للمدراء لتطبيقها، ومنها (الخروج من الباب المفتوح) أي ليخرج المدير الى حيث يوجد المستخدمون ويلتقي بهم.

كان غانم ينظر بريبة الى فؤاد، لكنه يُجبر نفسه على اتقائه كاتقاء الذئب لفخ وضع للإيقاع به، وبالرغم من أن مركز وظيفة غانم أعلى من مركز وظيفة فؤاد إلا أن غانم كان يبدي احتراماً استثنائياً لفؤاد.. ولهذا لبَّى طلبه في الاقتراح للقيام بجولة، في الحقول والبساتين، وطلب من نذير تجهيز السيارة للقيام بجولة في البساتين والحقول. أخبر نذير من حوله بتلك الجولة..

شاء فؤاد أن يطلع المدير على ما أراد أن يشتكي منه علي محرم من رئيس العمال..

عندما نزل المدير وفؤاد من السيارة، كان رئيس العمال باستقبالهما، مرحباً ومبتسماً ومباركاً تلك الزيارة الثمينة، وقام بقص بعض أفرع الأشجار التي كانت تبعد عن رأس المدير حوالي المتر! تعبيراً عن حرصه على تأمين أفضل الأجواء، وليعطي انطباعاً للمدير بضرورة بقاءه قريباً منه في تلك الجولة..

لمح المدير، علي محرم عن بعد، فقال لفؤاد: أليس ذلك هو العامل الذي كان عندنا في المكتب؟

انتبه رئيس العمال، وأخذ يتكلم عن العامل وعجزه وكثرة حيله في التملص من العمل. أوقفه المدير عن الاستمرار بالكلام، وطلب منه الانصراف. فرح فؤاد لهذا السلوك من جانب المدير..

وصل المدير وفؤاد الى حيث يعمل علي محرم..
ـ (القوة.. القوة).. (تحية تقال للعاملين)
ـ الله يقويك أستاذ..
ـ ماذا كان لديك، عندما حضرت للمكتب؟
ـ لا شيء أستاذ.. مسألة صغيرة وانحلت..
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس