عرض مشاركة مفردة
قديم 29-01-2009, 11:29 PM   #1
السيد عبد الرازق
عضو مميز
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2004
الإقامة: القاهرة -- مصر
المشاركات: 3,296
إفتراضي الظواهر الفنية في الشعر الحر/الجزء الأول

الظواهر الفنية في الشعر الحر/الجزء الأول
منقول للفائدة
و لم أقف على نسبة هذه البحوث القيمة
يتناول هذا الموضوع ما يلي:
1. مفهوم الشعر الحر
2. اللغة في الشعر الحر
3. استلهام التراث والأسطورة والتاريخ
4. التكرار في الشعر الحر







مفهوم الشعر الحر:

يثبر المفهوم بهذه الصيغة استحضار مفهوم آخر ، فإن كان هذا الشعر حرا فإن هناك الشعر المقيد، وليس هذا ما تقصده التسمية أصلا، فالشعر الحر له أصوله وتقاليده وقيوده التي يجب أن يُلتزم بها.
وعليه يمكن أن يعرف الشعر الحر بأنه" الشعر الذي تحرر من نظام القصيدة العربية القديمة في بناء البيت الشعري، وتركيب الجملة ، والموسيقى والوزن والإيقاع ، ودلالات الألفاظ وتركيب الصورة والقافية"، وهذا لا يعني أنه ليس شعرا موزونا ، أو أنه ذلك الشعر الذي لا يتقيد بالوزن أو القافية()، بل إن الوزن هو العصب الرئيسي لأي شعر ، ومنه الشعر الحر مع التوسع في نظام القافية.
اللغة في الشعر الحر:

يتغيا الشاعر إيجاد علاقات جديدة بين الألفاظ في القصيدة، فهو من خلال الألفاظ التي تنتجها اللغة العامة التي يمارس المبدع فيها حياته الاجتماعية يختار معجمه الشعري ، ليكون نهرا من لغة ثانية ، مياهه نابعة من نهر اللغة الأعظم، ليوالف بين الألفاظ والعلاقات ، منشئا تركيبة لغوية جديدة قائمة على تفجير اللغة وإيجاد علاقات متشابكة ، لا تحتكم للوعي أو للمنطق الصارم أحيانا، ولكنها ذات أبعاد شعورية ونفسية وطاقات دلالية إن وجدت هذه الألفاظ خارج تقنية الشعر الحر لا تؤدي إلا معناها الأولي ، أما خلال النص الشعري ، فإنها تكتسب ظلالا جديدة، وتحمل معاني أكبر من طاقاتها المعجمية الثابتة ، ومن هنا جاءت الحاجة في لغة الشعر إلى الإيحاء وبعض الغموض والاتكاء على الرمز، لأن الشعر الحر في مجمله يعبر عن طاقة إبداعية مختزنة تأبى الخروج بالنفس الشعري التقليدي، وتصر على خروجها بنمط شعري خاص له طعم آخر ورونق مميز.
وتميل لغة الشعر الحر إلى الاقتصاد في التعبير ، فليست معنية بالشرح والتفصيل، والإسهاب في توضيح أمر من الأمور، فالشعر مرتكزه الأول هو الشعور والعاطفة والإحساس، وكلها يعبر عنها الشاعر بومضات مثيرة بأقل الألفاظ وأنسبها ، ولذا فإنك قد تجد قصيدة مكونة من بضع كلمات مكتفيا الشاعر باللمحات الخاطفة التي تحويها الألفاظ ، من ذلك قول سميح القاسم في قصيدة بعنوان " الغائب"(:
لعنقود ليلى كؤوس مهيأة
أين قيس؟
هكذا بدأت القصيدة بالعنوان ، وانتهت بعلامة السؤال الموجه للمتلقي ؛ لتبدأ عملية أخرى ليس للشاعر دور في تأويلاتها سوى ما قدم من محطات تأويل، قد يبعد القارئ عنها ، وقد يقترب.
وقد تعتمد اللغة الشعرية في هذا النوع من الشعر على المفارقة الساخرة ، التي لا بد للمتلقي أن يبحث عن مراميها ، لإعطاء النص حدودا دلالية ، كانت مفتوحة في فضاء القصيدة. يقول سميح القاسم:
وعندما تصيبني سخريتي بالقرحة
سيمنحون زوجتي الطباخة الذكية
جائزة مسيلة للعاب
( نوبل للآداب)
وعند حفار القبور أترك البقية.
وقد تطول القصيدة حتى تصبح ديوانا ، كما هو الحال في ( فضاء الأغنيات ) ديوان شعر من وحي تجربة الاعتقال في النقب للشاعر د. المتوكل طه ، و( جدارية) محمود درويش ، وسربيات سميح القاسم ، حيث تشكل كل سربية ديوانا مستقلا.
ومن التقنيات المستخدمة في لغة الشعر اعتماد القصيدة على الحوار والسرد القصصي ، فتظهر في القصيدة العناصر القصصية ، وأهمها: السرد والحدث والزمان والمكان ، ونجد مثالا لذلك قصيدة " جندي يحلم بالزنابق البيضاء" لمحمود درويش ، فقد بدأ القصيدة بالسرد القصصي في قوله:
يحلم بالزنابق البيضاء
بغصن زيتون
بصدرها المورق في المساء
يحلم- قال لي- بطائر
بزهر ليمون
وبعد هذا السرد ، يتابع القصيدة محاورا :
سألته والأرض؟
قال: لا أعرفها
سألته: تحبها؟
أجاب: حبي نزهة قصيرة
أو كأس خمر أو مغامرة
- من أجلها تموت
- كلا.
وما يلاحظ على لغة الشعر الحر التعقيد ، ولعله آت من كون اللغة المستخدمة فيه بسيطة في دلالاتها الأصلية، عميقة في معانيها النصية، ولأنها من جهة أخرى ترتبط بعلاقات سياقية وتاريخية وشعورية لا بد من فهم مراميها أولا ، ثم الغوص في دلالات البناء الشعري الحديث ، والحقيقة أن الغموض أو الإبهام أصبح ظاهرة تغلف أروقة القصيدة ، وقد تنبه غير دارس لهذا الملمح في هذا الشعر، ومن هؤلاء الدارسين الناقد اللبناني جودت نور الدين في كتابه "مع الشعر العربي- أين هي الأزمة" ، فقد عرض في الكتاب بعض النماذج التي يلفها الغموض ، من ذلك قول الشاعر محمد زين جابر:
لماذا تظل حصى باردة
في أسفل السراويل المتمادية
لأجدادنا المهرولين"
ويعلق أ. جودت نور الدين على هذا المقطع بقوله:
" إني أسأل الشاعر : كم قارئ لهذا المقطع في العالم العربي الواسع من غير منطقة الجنوب الصغيرة في لبنان {منطقة الشاعر} يمكنه الإحاطة بأبعاد الصورة التي نقلتها على رغم وضوح عباراتها".
وقد وقف الناقد السعودي د. عبد الرحمن محمد القعود وقفة متأنية عند ظاهرة الغموض في الشــعر الحر فـــي كتابـه " الإبهام في شعر الحداثة – العوامل والمظاهر وآليات التأويل" ، فقد خصص هذا الناقد لدراسة هذه الظواهر بابا مستقلا بثلاثة فصول ناقش فيها بإسهاب هذه الظاهرة بنماذج مختارة ، ويرد د. القعود هذا الغموض إلى أسباب ثلاثة: أولاً الغياب الدلالي ؛ وذلك بسبب غياب الموضوع عن القصيدة ويرى أنه " مع حركة الحداثة الشعرية صار الشعر صوت قائله ، أي صوتا داخليا ، لا خارجيا تفرضه القبيلة أو السلطان أو المناسبة القومية أو الاجتماعية ،.......، فغابت بهذا أغراض الشعر التقليدية ، ليحضر بدلا منها موضوعات تتحدث عن النفس وحركتها الدقيقة".
ومما يتصل بغياب الموضوع اعتماد الشاعر لغة التجريد ، وتركيزه على التأثير الشعري ، وليس الموضوع وتقديم رسالة ، مما جعل الشعر يغوص في غمار الغموض والإبهام الذي يشكل عائقا عن التواصل مع المتلقي.
وأما أسباب الإبهام الأخرى التي يطرحها د. القعود في كتابه السابق: التشتت الدلالي ، وإبهام العلاقات اللغوية، ويقصد المؤلف بالتشتت الدلالي أن الجملة الشعرية لا تعطي بتواصلها اللفظي اللغوي معنى متصلا ، بل تتشتت الدلالة عبر التداخل اللغوي لبنية القصيدة ، فالمتلقي عندها بحاجة إلى إعادة تنظيم لبنات القصيدة ليستطيع فهمها ، فهي عسيرة على الفهم لأول مرة.
أما إبهام العلاقات اللغوية فيوضح المؤلف مقصوده منها ، في أن اللغة الشعرية تدخل خلال النص بعلاقات نحوية مبهمة في علاقة المسند والمسند إليه ، أو الجمع بين متناقضين ، أو متنافرين ، ويعني من جانب آخر" انخفاض المستوى النحوي" في القصيدة ، فالشاعر يعدل عن التركيب النحوي المعهود إلى تركيب جديد ، تكون الجملة فيه مفتقرة إلى عناصر البناء اللغوي السليم مما يزيد من الإبهام.
وفي ظني أن الشاعر الحديث عندما اختار العزلة عن قضايا المجتمع ، وتراجع الشعر عن أداء رسالته ، واتصال الشاعر بالمذاهب الغربية ارتباطه بها ارتباط تبعية وتقليد ، واطلاعه على النتاج الشعري الغربي الذي تحكمه قوانين إبداعية فكرية مختلفة ، ومحاولة المبدع وضع نفسه في مرتبة أعلى وأسمى من القارئ، كل ذلك دفع الشاعر أن يدخل في دهاليز اللغة الشعرية غير المفهومة ؛ إيهاما للقارئ أنه أمام شاعر لا يشق له غبار! وقد لا يكون وراء كلامه طائل يُذكر سوى التلاعب بالألفاظ ، وتقديم مصفوفات لغوية خاوية لا تؤثر في إحساس المتلقي وأفكاره، فهي طلاسم ومستغلَقات يعجز هو نفسه عن فهمها ، وصدق الشاعر حيث قال ساخرا من هذا النوع من الشعر:
تحدثني فلم أفهم عليها كأن حديثها الشعر الحديثُ

.
السيد عبد الرازق غير متصل   الرد مع إقتباس