عرض مشاركة مفردة
قديم 24-07-2014, 04:22 PM   #5
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

الاحتراف السياسي: صناعة ناقصة عند أحزابنا


فيما تعنيه السياسة، فإنها فن لضبط توازنات القوى المحلية والإقليمية، وفن إدارة الصراعات الأيديولوجية، وفهم تحليل العلاقات الاجتماعية، وقدرة على حل الأزمات السياسية.

والسياسي هو ذلك اللاعب المؤثر في المجالات السابقة، ويختلف تأثير السياسيين من فرد لآخر كاختلاف أداء وأساليب لاعبي كرة القدم، أو تحضير الشواء، فكل تغيير في شيء صغير سيؤدي الى نتيجة مختلفة عن نموذجية الصيغة المتعارف عليها.

والاحتراف السياسي شأن أو شرط من شروط تكوين الأحزاب*1، وإن أُخِذ الاحتراف السياسي على محمل الفهم اللغوي، فإن شرطيته عند الأحزاب ستكون مثيرة للجدل والاستغراب. فالقاتل المحترف لا يجعل لعواطفه أو آراءه ومعتقداته أي دور، فهو يقتل وينجز مهمته بنجاح دون النظر لصوابية الهدف من عدمها، ولاعب كرة القدم المحترف هو يلعب مقابل أجر وربما يلعب ضد فريق بلده أو أقاربه، فهذا لا يعني له شيئاً. فكيف لنا هنا أن نواضع بين هذا المعنى وشرطية الاحتراف بالأحزاب؟

(1)

ما الذي يصنع الاحتراف السياسي؟
قد تضع قيادات التنظير في أحد الأحزاب مجموعة من المنطلقات النظرية التي تبشر بفكر طموح يخلص البلاد والعباد من واقعهم المرير، وتضع مجموعة من الضوابط (أنظمة ولوائح داخلية) تحدد صلاحيات الفرد المسئول أو غير المسئول، وهذا بدوره سيصنع أنماطاً من الذهنيات التي ترضى عنها القيادات وترفع شأن أصحابها بين حين وحين، وإضافة الى صنع تلك الأنماط فإن نماذج من السلوك الحزبي (الكلاسيكي) ستكون هي السائدة لدى العناصر المرشحة للترفيع وتسليم زمام القيادة مستقبلاً.

إن تقييد المنتسب للحزب بتلك المنهجية الحديدية، أشبه ما يكون بشخص يجلس (متربعاً) كما في (اليوغا) أمام شخص آخر أكبر منه سناً، ويجلس نفس جلسته مقابلا إياه وبينهما مسافة عدة أمتار، ويقوم الأكبر سناً بدحرجة كرة قدم بواسطة يديه لتلميذه الصغير، والآخر يعيدها لأستاذه، إن اعتقاد الأستاذ أن يصنع من التلميذ لاعبا لكرة القدم هو اعتقاد مريض وخاطئ بالتأكيد. لا بُد للاعب كرة القدم أن يلعب في المدارس والحارات والأزقة ويسقط على الأرض ويتعرض للسخرية، وتلك المخاضات هي التي تفرز اللاعبين الساقطين الذين لا يمكنهم تكملة المشوار، عن النجوم الذين تتنافس عليهم الأندية!

قد تتورم الأحزاب فيقفز عدد أعضائها من عشرات الى ملايين، وهذا يحدث بعد الانقلابات والتغييرات التي تُسمى في بلادنا (ثورات)، ويصبح فن البقاء داخل صفوف الحزب هو الضابط الذي يضبط حركات المحاباة والنفاق والكذب والخداع، فيموت الإبداع، وتكبر عقدة التعاظم لقادة الانقلاب بأنهم أصبحوا من القادة التاريخيين الملهمين، وتكثر التصرفات البوليسية لمراقبة المبدعين والذين سيصنفون ـ على الفور ـ بأنهم معارضة وجيوب خطيرة يجب تصفيتها.

إن صناعة السياسي المحترف، لها مسارات تتعلق بما يُسمى جدلية النمو السياسي لدى أعضاء الحزب، والتي ستصب بجدلية نمو الحالة السياسية في البلاد. وتلك المسألة لا تأتي إلا بانخراط أعضاء الحزب بالتجمعات الإدارية والإبداع فيها، إضافة الى استمرار البناء المعرفي والمعلوماتي المواكب لتطور الحياة لحظة بلحظة.

(2)

تُصنف الأحزاب، حالها حال المنتديات الفكرية بأنها تجمعات دعائية تتوسم من الشعب من خلال تجمعاته الإدارية أن تتبنى أفكارها بالاقتصاد والاجتماع والتعليم والثقافة والبيئة وغيرها من مناحي الحياة، لتخضعها في البرامج التطبيقية.

ويندرج تحت التجمعات الإدارية، البرلمان، والحكومة، والبلديات،والنقابات المهنية والحرفية وغرف التجارة والصناعة والزراعة والجمعيات التعاونية والخيرية وغيرها من منظمات المجتمع المدني.

وفي اليابان، مثلاً، لن يُسمح بالترشح للبرلمان إلا من مر بعدة تجارب تقع أهميتها دون أهمية البرلمان ـ كونه يقوم بعملية التشريع ومراقبة الحكومة ـ كالنقابات وغيرها، فعلى المرشح للبرلمان أن يُبرز ما يُثبت أنه كان عضواً في أربعٍ أو خمسٍ من المنظمات المدنية بشكل فاعل.

إن تنمية المهارات المتخصصة سياسياً في مجالات محددة، مثلاً عندما يكون المسئول الحزبي مسرحياً (كاتب، مخرج، ممثل مسرحي)، فعليه أن يربط بين الدور الذي يؤديه المسرح مع معتقداته الفكرية، ويكوِّن صداقاته وعلاقاته مع من يتفقون معه عقائدياً ومن يختلفون، فلو كون علاقاته مع من يتفقون معه فقط، لضمرت إمكاناته وتوقف نموه السياسي الإبداعي المتخصص. وكذلك يفعل الاقتصاديون والمهندسون والأطباء، وعندما تكون هناك قيادات واعية للحزب فإنها ستجمع الدراسات المختلفة من قطاعاتها ويبقى خطابها السياسي حيوياً يتطور مع تطور المتغيرات المحلية والعالمية.

(3)

إن المحترف السياسي، إن لم تضبطه مؤسسات حزبية تتنافس أخلاقياً مع مؤسسات حزبية أخرى داخل البلاد، فإنه سيصبح بيروقراطياً، يسكت عن دوام بقاء رئيس للبلاد مقابل إغلاقه لدائرة نفوذه وعدم فتحها إلا بشروط، وهذه بذور الفساد (مصر، سوريا أمثلة واضحة).

وقد يتحول المحترف السياسي الذي لم تضبطه قوانين ومؤسسات أخلاقية الى زعيم (مليشيا، أو شبيحة، أو قبضايات) كفتوة أيام زمان، ولكن الفرق بين تسميات أيام زمان والآن أن التسمية الحديثة تأخذ صيغاً مختلفة (أمن الدولة، المكتب الخاص المكتب الرابع الخ) وهي في الحقيقة لا تعدو عن أنها مليشيات تابعة لسياسيين محترفين أو احترفوا السياسة واكتشفوا أنها مجالا للتكسب.

لقد أشار (ماكس فيبر) الى نوعين من السياسيين المحترفين: النوع الأول: أولئك الذين يعيشون من (السياسة) والنوع الثاني: أولئك الذين يعيشون من أجل السياسة*2

وتشير المفكرة (فيللس بك كريتك)، عن ظاهرة خضوع الأطراف التي لا يحق لها أن تجلس على طاولة المفاوضات، بأنها سترضى بما يقرره الجالسون، وتبدأ تلك الأطراف غير المقررة (أي المتلقية) تتكيف بالشكل الذي تقبل أو ترضخ فيه لما يقرره الآخرون.*3

لكن أولئك السياسيون الذين يعيشون من أجل السياسة، ماذا يريدون؟ وما هي دوافعهم؟ تطرق الكثير من الفلاسفة وعلماء النفس لتلك المسألة فردّها فرويد للمحفزات ولكنه ـ مع الأسف ـ لم يكشف عنها بالتحديد. وردّها (برتراند رسل) الى حب السلطة، لتحقيق المجد، كما ردّها (مارسال) الى الرغبة في الألقاب والتشريفات وغيرها.. *4







هوامش
*1ـ في التنظيم والتربية الحزبية/ مجموعة مؤلفين/ بيروت: دار الطليعة ط5 1980 صفحة 22.
*2ـ العلم والسياسة بوصفهما حرفة/ ماكس فيبر/ ترجمة: جورج كتورة/ بيروت: المنظمة العربية للترجمة 2011 ص 261.
*3ـ التفاوض من موقعين غير متكافئين/ فيللس بك كريتك/ ترجمة: بشرى ملكة/ الرياض: مكتبة العبيكان 2011 صفحة 57
*4ـ مصطفى حجازي/ الجماهير والقائد في ضوء التحليل النفسي/ بيروت: مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد11 نيسان/أبريل 1981 صفحات 57ـ73
__________________
ابن حوران

آخر تعديل بواسطة ابن حوران ، 24-07-2014 الساعة 04:35 PM.
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس