عرض مشاركة مفردة
قديم 11-08-2014, 03:15 PM   #8
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

الاجتماع الحزبي


الاجتماعات مسألة معروفة منذ القدم، وهي تتنوع من حيث أحجامها وأهدافها والمدعوين لها، فهي قد تكون متخصصة لشركة أو عشيرة أو حي أو نقابة أو حزب، وقد تكون أعداد المشاركين فيها بين بضعة أشخاص أو آلاف، وقد تكون للتبشير بخطة أو فكر أو التعرف على ردة فعل المعنيين بالاجتماع من أجل تصويب الخط الأولي الذي دُعي المجتمعون إليه، أو يكون هدفها تنويري أو تبشيري، أو لحشد وكسب مؤيدين لخط معين أو مرشح الخ.

(1)

والاجتماعات الحزبية هي لون متخصص من الاجتماعات، وتبدأ من اجتماعات دورية هدفها تربية وتثقيف الحزبيين، وتعويدهم الالتزام والانضباط وفن الحوار، وبناء الشخصية الممثلة لجديلة المنظومة العقائدية للحزب، وصناعة الكوادر التي تبني مؤسسات الحزب والمجتمع وحتى الدولة ضمن رؤية تتفق مع دستور وأهداف الحزب.

وبالقدر الذي ينجح المسئول الحزبي في إنجاز اجتماعاته بقدر ما يتدرج في الترقي بالمسئوليات داخل حزبه، ثم خارجها على الصعيد الوطني.

وحتى يكون المسئول ناجحاً في التقدم بالخلية الحزبية التي أُنيط به مسئوليتها عليه أن يلتزم بما يلي:
أ ـ التعرف على أعضاء خليته بشكل جيد، فمنهم العضو الخجول المتلعثم الذي لا يستطيع التعبير عما يجول في خاطره، ومهمة المسئول هو أن يشجعه دون الإضرار بحالته النفسية بين زملاءه أو رفاقه في الخلية، وتَفَقُدْ مدى تطوره أولا بأول. ومنهم من يحب المعارضة والمحاججة ليبين للآخرين مدى نباهته وتفوقه، فعلى المسئول أن يحيل خصلته هذه لزملائه في الحلقة لتقييم مدى صحة ما يقول، حتى لا يقتدي به الآخرون أولاً، وحتى يتخلص هو من تلك النرجسية والغرور ومقاطعة الآخرين، لأنه في النهاية سيتم تصديره للشارع والميادين المختلفة، ولن يكون هناك من يصوِّب أخطائه من رفاقه. وهناك من الأعضاء من يبقى خاملاً مكتفيا بابتسامة ساذجة وموافقة أزلية على كل ما يُقال في الاجتماع، وهؤلاء أخطر العناصر على الحزب والوطن لنفاقهم المبطن، فعلى المسئول أن يدفعه للمشاركة أولا بأول أو يطلب التخلص منه بالطرد.

ب ـ احترام قدسية الوقت والحضور من قبل المسئول قبل أعضاء الخلية، وأن لا يترك الاجتماع تحت رحمة الهذر واللغو غير المفيد، ويخصص الوقت لكل نقطة من برنامج الاجتماع الذي عادة ما يُقسم الى (التعليمات والوارد من القيادة؛ ثم مراجعة محضر الاجتماع السابق، ومتابعة ما تم تكليف الأعضاء به؛ ومن ثم الموضوع الثقافي؛ ومن ثم الأخبار والتعليق عليها؛ وباب الأسئلة والاستفسارات). وعلى المسئول أن يعطي بتركيز دقيق كل فقرة بوقتها الملائم، دون الإطالة فأنجح المدد التي تعطى للخلايا السُفلى هو ما يقل عن ساعة بقليل، والخلايا المتوسطة تعطى ربع ساعة إضافي، ويزداد الوقت بازدياد أهمية الحلقة فإن كانت حلقة قيادة محافظة أو لواء سيكون من بين النقاط تفقد الأحوال التنظيمية لكل حلقة أو منظمة إضافة الى أحوال النقابات الخ.

ج ـ أن يأتي المسئول الى الاجتماع هاشاً باشاً غير متكدر أو متثائب بين حين وآخر، ومحضراً للموضوع الثقافي كما يحضره الآخرون، وباحثاً عن أجوبة الأسئلة التي طرحت في الاجتماع السابق، وأن يطفئ جهاز هاتفه المتنقل كما يطلب من الآخرين ذلك.

(2)

هناك من الاجتماعات الكثيرة ما تتصف بالفاشلة، وهي تلك الاجتماعات التي يتبعها أسئلة من بعض الذين حضروا الاجتماع مثل: ماذا أضاف لي هذا الاجتماع؟ إن المعلومات التي وردت معروفة، أو موجودة في الكتب والصحف ووسائل الإعلام.. لا أرى مبرراً لعقد مثل هذا الاجتماع.. إن المكان الذي عُقد فيه الاجتماع سيء التهوية ومزدحم بأشخاص غير مفيدين.. إن المسئول كان غير حازماً وخالي الوفاض! إن من طلب عقد الاجتماع جاء ليملي علينا ما يريد وذهب دون الاستماع لرأي من أي كان!. كان تخصيص أماكن الصدارة ومقاعد الصفوة تُعطى لأناس لا يستحقونها..

إن تكرار مثل تلك الاجتماعات الفاشلة، سيؤدي الى عزوف كبير لحضور الاجتماعات، ومن ثم الندوات العامة، ومن ثم اللقاءات الجماهيرية، وبالتالي فإنه سيحرم الحزبي من تنمية مهاراته ومعارفه ويوقعه في أخطاء ستُحسب عليه وعلى حزبه في المستقبل.

قد يحضر أحد الحزبيين اجتماعا شعبياً، ويكون أحد المتكلمين فيه رجلٌ قد يبدو عادياً أو أمياً، لا يتقن مخارج اللغة ولا يحسن التعبير، وقد يعلق الحزبي تعليقاً متهكما على المتكلم بصوت منخفض، ولكنه لا يعلم علاقة من كان يجلس بقربه بالمتكلم فقد يكون أخاه أو قريبه أو أحد المتحالفين معه، وعندها فإنه سيفتح باباً واسعاً لمخاصمته من عينة من الجماهير! وهذا نتيجة عدم استكمال المراس اللازم في فنون الاجتماعات.

الاجتماع الحزبي المتدني إذن، هو ذلك الاجتماع الذي يلتقي فيه بضعة أنفار لا يعرفون ماذا يتداولون، وهو اجتماع شكلي لأشخاص يتشاغلون فيه بقضايا سوقية ويدخلون في تفصيلات شخصية ينقلون فيها علاقاتهم وأمراضهم وأمزجتهم من (البيت) و (الشارع) الى الاجتماع الحزبي.*1


(3)

بالقدر الذي تهتم فيه الأحزاب بالاجتماع الحزبي، وتراقبه من خلال الزائرين من القيادات الى الحلقات الأدنى، بالقدر الذي تُصنع فيه الكوادر القيادية التي تتحلى بأخلاق المجتمع المُثلى وتحلم بالارتفاع بالمجتمع ليكون راقياً نظيفاً خالياً من الفساد والتراكض على نهب خيرات الوطن.

ليس المهم أن تُرفع شعارات مليئة بالفضيلة والخُلق، فكل الأحزاب ترفع مثل تلك الشعارات، ولم يظهر حتى اليوم حزبٌ يقول بأنه يسعى لتفشي البطالة وقطع الكهرباء عن المواطنين وإشاعة الرذيلة وسيادة الفاسدين.

وحتى يتم التطابق بين النظرية والتطبيق، بين المُثُل والسلوك، فإن المصنع الرئيسي لمثل تلك القيادات وإنشائها هو الاجتماع الحزبي الأولي، فإذا تمت صيانته سيتم صيانة الاجتماعات الأكثر تقدماً (الوسطى والعليا)، فلن يعود هناك من يصفق لقائد يحفظ جدول ضرب (الثلاثة مثلاً) وكأنه مخترع!



هوامش
*مجلة الثورة العربية العدد المزدوج (4ـ5) السنة الرابعة 1953.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس