عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 16-08-2007, 01:42 AM   #108
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,448
إفتراضي


الحريات و الأقليات :


لو دخل شخصان الى ديوان يجلس فيه مجموعة من الرجال، فلم ينتبه من كان في الديوان للرجل الأول ولم يرحبوا به أو يقفوا بوجهه .. ولكنهم قاموا ورحبوا بالرجل الثاني الذي دخل المكان بعده بقليل، وأكرموا الرجل الثاني في إفساح صدر المكان له.. فإن الرجل الأول الذي لم يتلق أي ترحيب سيكون أمام خيارين: إما أن يسكت و يعترف بضآلة أهميته، أو أنه يعترض بصوت عال أو يخرج احتجاجا على موقف من في الديوان .. فإن سكت، فإنه لن ينسى هذا الموقف طيلة حياته، وسيتحين الفرص للتعبير عن استياءه بانتقام بأي شكل، وإن مات قبل أن ينتقم فإن تلك الحادثة ستنتقل الى أبنائه ليعاودوا التأسيس عليها بما يترجم عدم رضاهم عن الجماعة ..

هذا المثل يندرج تحت موضوع التراتب الاجتماعي الذي مررنا عليه .. لكن التعبير عن عدم الرضا، يندرج تحت باب القدرة على المطالبة بفرض الاعتبار، لكن، هل هناك شيء مثل هذه الأبواب، بمعنى آخر: هل يقوم الأشخاص في مكان ما بالمطالبة باحترامهم من قبل الآخرين؟ .. إن الناس في كل بقاع الأرض تحترم من يمتلك خصال الاحترام .. وقد تكون تلك الخصال مزيفة بكاملها إذا أخضعناها للمنطق، فقد يتولى زمام أمور بقعة ما سواء كانت سياسية أو إدارية أو اقتصادية رجال حقراء ضمن المنطق العام لمفاهيم القدرة والكفاءة والوجاهة الحقيقية، ولكن جموع الناس ستحترمهم وفق معطيات الضرورة، أو تمثل احترامهم ظاهريا .. وتتناولهم بأقسى أنواع الصفات السيئة في منأى عن الظاهر وإذا قدر لهؤلاء الناس الذين ضمروا السوء وعدم الاحترام لمن أجبروا أنفسهم على احترامهم، فإنهم سيخرجون كل ما في دواخلهم للتعبير عن عدم احترامهم.

هذا الشأن يرتبط بالظرف السياسي، في لحظة معينة، ولا أظن أن هذا الأمر سيقتصر على أبناء الأقليات، بل يتجاوزه الى كل شرائح المجتمع بما فيهم الأكثرية بأفرادها ورموزها ومفاصلها. لكن سيبدو الأمر واضحا بصورة أكبر عند أبناء الأقليات، لأسباب معروفة: أولها تلك التي ترتبط بالعنوان كونهم (أقلية) .. وبالمناسبة فإننا لم نجد بتاريخ الدولة العربية أو الإسلامية مصطلحا يشير الى الأقلية بهذا الاسم. فلم تسمى الفئات التي لا تتوافق مع الأكثرية في دينها أو عرقها باسم (الأقلية) .. بل كانت تسمى بأسماء تنبه الكتاب العرب المعاصرون في استخدامها ك (أهل الذمة)، حيث أن وقعها على أذن السامع أو عين القارئ أشد أذى من مصطلح (الأقلية). هذا إذا استثنينا بعض الكتاب الإسلاميين الذين يستخدمون مثل هذا المصطلح.

لقد بان العجز العربي خلال قرن من الزمان، أمام أبناء العرب ومن يتعايش معهم من أبناء القوميات الأخرى، والديانات والملل الأخرى على نفس البقعة أو البقاع العربية .. فاستكثر أبناء تلك (الإثنيات) على أنفسهم أن يقترنوا بالعرب، بل أصبحوا هما إضافيا يضاف لهموم العرب، واستغلوا حالة الضعف والهوان أسوأ استغلال للغمز والنيل من القومية العربية، ملتقين بذلك من حيث لا يدروا ـ غالبا ـ أو يدروا ـ أحيانا ـ مع أعداء الأمة في معاونتها على الإجهاز على الأمة ..

مقاربة الحرية

لم يكن لفظ (الحرية) في التاريخ العربي والإسلامي القديم، إلا نقيضا للعبودية، فكانت ترد في القرآن الكريم (تحرير رقبة)، حيث تكون كفارة من ذنب عظيم كالقتل غير العمد، فتكون الكفارة تخليص إنسان من العبودية، و (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) .. وهو تعبير ضد العبودية .. لكن استخدام اللفظ جاء في أدبيات العثمانيين بعد حملة نابليون بونابرت على مصر، عندما خاطب أهل مصر باسم (الجمهورية الفرنسية القائمة على الحرية والمساواة والإخاء).. وقد استخدمها (رفاعة الطهطاوي) في ترجمته للدستور الفرنسي*1 وقد أشار الى انعدام مقابل لها في التراث الفكري والسياسي عموما لذلك يكتب الطهطاوي ( وما يسمونه الحرية ويرغبون فيه هو عين ما يطلق عندنا العدل والإنصاف. وذلك لأن معنى الحكم بالحرية هو إقامة التساوي في الأحكام والقوانين بحيث لا يجور الحاكم على الإنسان، بل القوانين هي المحكمة المعتبرة)*2

يقول الدكتور حيدر ابراهيم علي في كتابه الموسوم ب (أزمة الأقليات في الوطن العربي) : الوعي بوضعية الأقلية في الحالة العربية ـ الإسلامية هو أشبه بالمياه الجوفية: موجود وغير مرئي، ولكن عند الحاجة يمكن التنقيب والحفر لإظهاره. *3 من يتمعن هذا القول سيعترف لصاحبه بالتوفيق في اختياره، فالمشكل موجود في كل العصور وفي كل الدول، كوجود المياه الجوفية، ولكن من ينقب عليه هو من يريد استثماره في وقت تنضب موارد المياه الأخرى، أو في وقت يراد فيه استثمار الكثير من المياه لإحداث فيضان يقضي على الحياة في بقعة ما..

فبحجة الحريات ترتفع أصوات هنا وهناك في أطراف الوطن العربي على وجه الخصوص، العراق، السودان، دول المغرب العربي، ولا يستثنى قلب الوطن العربي من ذلك فلا مصر تسلم من تلك الحملة و لا لبنان ولا أي دولة ..

حقا أن الحريات ليست موجودة لتلك الجماعات والأعراق، ولكنها ليست موجودة أيضا للعرب أنفسهم، فالهم سواء لدى عموم الموطنين. ومن يدري فإن استثمار تلك الظاهرة العادلة (الحرمان من الحريات) ستكون عاملا إضافيا لتوحيد شرائح التكوين الكاملة لسكان الوطن العربي وإعطائها سببا للنهوض!

يخلص كثير من الكتاب العرب في هذا الخصوص الى (أن بناء مجتمع عربي معاصر يمتلك القدرة والاقتدار مهمة مستحيلة، إلا إذا استطاع الفكر العربي المعاصر أن يبلور صيغة عصرية جديدة قومية أو (إقليمية) قادرة على استيعاب كل الفئات الاجتماعية والطائفية والقبلية على امتداد وطننا الكبير)*4

وعلى رأي الباحثة العربية (منى مكرم عبيد) ( إن التعصب نتاج لفعل استبداد سياسي يتم في غياب الديمقراطية وتنتهي بالقول : أن أهم المشاكل التي تتجسم فيها إشكاليات الفكر العربي المعاصر هي مشاكل بنيوية فكرية واجتماعية في مقدمتها:
1ـ ظاهرة التطرف الديني والتعصب المذهبي الى درجة القتل والقتال.
2ـ مشكلة الأقليات في البلدان العربية التي فيها أقليات ..*5


هوامش
ـــ
*1ـ الفكر الإسلامي المعاصر/ قيس خزعل العزاوي/ بيروت/ دار الرازي 1992 / صفحة 96
*2ـ تخليص الإبريز/ أورده احمد السماوي في (الاستبداد والحرية في فكر النهضة) / اللاذقية/ دار حوار/1989/ صفحة 42
*3ـ أزمة الأقليات في الوطن العربي/ حيدر ابراهيم علي/دار الفكر/بيروت/ 2002/ صفحة 91
*4ـ إشكالية الهوية والانتماء/ علي أسعد وطفة/ مجلة المستقبل العربي/ بيروت/ عدد282/آب/أغسطس 2002/ صفحة 106
*5ـ مداخلة للباحثة وردت في مجلة (عالم الفكر ) في شهري 1و6 من عام 1998/ في مناقشة أزمة الفكر في الوطن العربي.. تعقيبا على بحث علي الدين هلال.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس