عرض مشاركة مفردة
قديم 19-08-2008, 08:26 AM   #2
محمد الحبشي
قـوس المـطر
 
الصورة الرمزية لـ محمد الحبشي
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2006
الإقامة: بعيدا عن هنا
المشاركات: 3,527
إفتراضي

الفصل الأول



عش فى حدود يومك


فى ربيع 1871 التقط شابا كتابا وقرا فيه 22 كلمة كان لها أبعد الأثر فى تكييف مستقبله ، كان الشاب طالبا يدرس الطب فى مستشفى مونتريال العام بكندا وحين أوشك على دخول الإمتحان النهائى ساوره القلق على مستقبله ولم يدر ماذا يفعل ، ولا كيف يكتسب خبرة ولا كيف يكسب رزقه فيما لو تخرج . لكنه بفضل هذه الكلمات الإثنتين والعشرين أصبح أشهر طبيب فى جيله فهو الذى أسس مدرسة جون هوبكنز للطب ذات الشهرة العالمية وتربع زمنا على كرسى الأستاذية فى الطب بجامعة أكسفورد وأنعم عليه ملك انجلترا بلقب سير ، وحيت توفى نشرت سيرته فى مجلدين كبيرين من 1466 صفحة ، ذلك هو "سير أوسلر" .

وهذه الكلمات الإثنتين والعشرون التى قرأها فى ربيع 1871 فى كتاب للأديب الإنجليزى الكبير "توماس كارليل" هى :

"ليس علينا أن نتطلع إلى هدف يلوح لنا باهتا على البعد ، وإنما علينا أن ننجز ما بين ايدينا من عمل واضح بيّن"

وانقضت على تخرج طالب الطب اثنتان واربعون سنة ، وفى ذات يوم وقف يخاطب طلبة جامعة بيل وأعزى نجاحه كله إلى ما سماه "الحياة فى حدود اليوم" ، قبل أن يلقى كلمته فى جامعة بيل ببضعة اشهر عبر الأطلنطى على عابرة محيط ضخمة ، حيث شاهد القبطان يقف فوق برج الباخرة ويضغط زرا فتجلجل آلات السفينة ويحجب جانب منها خلف حاجز حديدى ولا يبقى منها إلا ما يلزم السفينة فى يومها وقد وقف الدكتور أوسلر يشرح ذلك لطلبته :
"وكل منكم اروع بنيانا من عابرة المحيط الضخمة ، فعليكم ان تتعلموا السيطرة على آلاتكم فلا تبقوا منها إلا ما يلزم لرحلة اليوم ، فليتصور كل منكم نفسه واقفا فوق البرج وليتخيل أنه ضغط زرا فيسمع صوت الابواب الحديدية وهى تغلق على الماضى (الماضى الذى لم يعد له وجود) ثم ليضغط زرا آخر فتسدل ستائر حديدية على المستقبل (المستقبل الذى لو يولد بعد) وبذلك يضمن السلامة فى يومه هذا ، عوّدوا أنفسكم العيش فى حدود اليوم " .

وقد نصح الدكتور أوسلر أن يبدؤا يومهم بالدعاء الذى كان يتلوه المسيح "خبزنا كفافنا أعطنا اليوم" وذكرهم أن هذا الدعاء كان من أجل خبز اليوم وحسب ، فلا هو يحتج على الخبز الردىء الذى كان بالأمس ولا هو يقول مثلا "يا الهى لقد عم الجفاف ونخشى ألا نحصل على خبزنا فى الخريف القادم" أو يقول "لو أننى فقدت وظيفتى فكيف أحصل عندئذ على الخبز" .

هل كان الدكتور أوسلر يعنى أنه لا ينبغى لنا أن نستعد للغد أو نفكر فيه ؟ كلا ! فقد مضى فى خطبته تلك فقال " أن أفضل الطرق للإستعداد للغد ، هى أن نركز كل ذكاءنا وحماسنا فى إنهاء عمل اليوم على أحسن ما يكون .. هذا هو الطريق الوحيد الذى نستعد به للغد !

لقد اعترض الكثيرون على قول السيد المسيح:" فلا تهتموا للغد ، لأن الغد يهتم بما لنفسه . يكفى اليوم شرّه" وقال هؤلاء :" كيف لا نفكر فى الغد ، بل ينبغى أن نفكر فيه ونتأهب له وينبغى أن نوفر مالا لأوقا الشيخوخة وأن نعد المشروعات لمستقبل حياتنا"
وهذا حق !
نعم يتحتم عليك أن "تفكر" فى الغد وتعد العدة له ولكن لا يجب أن "تهتم" له . والهم مرادف القلق .

حظيت أخيرا بمقابلة "آرثر هيلر سلزبرجر" وهو ناشر جريدة "نيويورك تايمز" إحدى كبريات الصحف فى العالم فقال لى :
انه عندما نشأت الحرب العالمية فى أوربا ساوره القلق والإشفاق من المستقبل حتى استحال عليه أن ينام فكان كثيرا ما يصحو من نومه ليلا فيتناول قلما وقرطاسا وينظر إلى صورته فى المرآة وينقلها على القرطاس ولم يكن يعلم شيئا عن فن الرسم . فقط لكى يبعد القلق عن ذهنه وذكر لى مستر سلزبرجر أنه لم يستطع مع ذلك أن يطرد القلق إلا حين اتخذ شعارا هو هذه الكلمات الثلاث المقتطفة من أحد التراتيل :

"خذ بيدى أيها الضوء الكريم ، وثبت قدمى "
"إنى لا أطمع فى الأفق البعيد ، خطوة واحدة تكفينى "


وفى نفس الوقت كان هناك شاب فى مكان ما فى أوربا يرتدى البزة العسكرية ويتلقى هذا الدرس ، ذلك هو "تيد بنجرمينو" من أهالى بلتيمور بولاية ماريلاند .

وقد كتب إلىّ "تيد" يقول :
فى أبريل عام 1945 اجتاحنى القلق حتى سبب لى داءا عضالا فى القولون عانيت منه الألم المرير ولو أن الحرب لم تنته يوم انتهت لكنت قد أصبت بانهيار تام .

فقد كنت أعمل ضابطا فى لجنة سجلات القبور التابعة لفرقة المشاة الرابعة والتسعين . وكانت مهمتى أن أساهم فى إعداد سجلات بأسماء الجنود والضباط القتلى والمفقودين والجرحى ، كما كنت أساهم فضلا عن هذا فى استخراج جثث القتلى من الحلفاء والأعداء على السواء وكان علىّ أن أجمع مخلفات هؤلاء القتلى وأرسل بها إلى ذويهم الذين يحلّون مثل هذه المخلفات محلا كبيرا فى نفوسهم ومن هنا اعترانى القلق خشية ان يوقعنى الإرتباك فى خطأ جسيم وكنت دائم التساؤل :
ترى أيمكن أن تتاح لى النجاة بعد هذا كله ؟ ايقدر لى أن أحمل طفلى الأوحد الذى يبلغ من العمر ستة عشر شهرا والذى لم أكن قد رأيته بعد ؟
كنت قلقا مجهدا حتى اننى فقدت من وزنى 34 رطلا فلا أرى غير عظام يكسوها الجلد فيستبد بى الفزع من أن أعود غلى وطنى آدميا محطما وأنفجر باكيا كالطفل وقد حدث عقب إحدى المعرك الكبرى أن انتابتنى نوبة طويلة من البكاء وانتهى بى المطاف إلى مستشفى حربى .
وهناك وجه لى الطبيب نصيحة غيرت مجرى حياتى تماما ، فبعد أن فحصنى فحصا دقيقا أنهى إلىّ بأن مشكلتى ليست جسمانية بل عقلية ... قال :

"اسمع يا تيد .. إنى أريدك ن تنظر إلى حياتك كأنها ساعة زجاجية كتلك التى استخدمت قديما لتحديد الوقت . أنت تعلم أن هناك آلافا من حبات الرمل توضع فى نصف الساعة الأعلى فتمر ببطء وفى نظام دقيق من خلال الرقبة الضيقة إلى نصفها الأسفل فلا أنت ولا أنا نستطيع أن ندفع بأكثر من حبة واحدة إلى عنق الساعة دون أن نصيبها بخلل ، وأنا وأنت والناس جميعا كهذه الساعة الزجاجية ، فعندما نصحو فى الصباح نجد مئات الأعمال فى انتظارنا فإذا لم نصف هذه الأعمال كلا بدوره على حدة وفى بطء وانتظام مثل حبات الرمل من عنق الساعة ، فإننا نعرض كياننا الجسمانى والعقلى لخطر التحطيم" .

وقد سرت وفق هذه الفلسفة منذ ذلك اليوم التاريخى . وقد أنقذتنى هذه النصيحة جسمانيا وعقليا أثناء الحرب وساعدتنى كثيرا فى عملى بعد انهاء الحرب فكنت دائما ما اردد :

"حبة واحدة من الرمل فى الوقت الواحد .. عمل واحد فى الوقت الواحد" .

وما زلت أكرر ذلك حتى اصبحت وفى وسعى أن أنجز أعمالى بمعزل عن القلق الذى كاد يحطمنى فى ساحة المعركة"







يُتبع


__________________

محمد الحبشي غير متصل   الرد مع إقتباس