عرض مشاركة مفردة
قديم 18-07-2009, 02:33 PM   #314
المشرقي الإسلامي
أحمد محمد راشد
 
الصورة الرمزية لـ المشرقي الإسلامي
 
تاريخ التّسجيل: Nov 2003
الإقامة: مصر
المشاركات: 3,808
إفتراضي

في ضوء محدودية معرفتي بأساليب الحكم على الأعمال الإبداعية أرجو أن تسمح لي بإبداء رأيي في هذه المقطوعات الماثلة بين يدي ..

أول ما أستطيع الوصول إليه هو أن العمل وإن كان خطرات منفصلة إلا أنها مرتبطة بما بعدها أي كأن الخواطر -حسبما استنتجت - تتبع أسلوبًا يهدف إلى مفاجأة القارئ بأن كل ما كتِب يربطه خيط واحد وربما يتبلور في ذهنه على شكل قصة يستنتج القارئ مغزاها ..
ثاني ما أحب القول فيه هو أن عنصر ثمة وعيًا ألحظه من خلال طريقة التناول ، فالبدء بالعبارات القصيرة الهامسة أو شبه الهامسة ربما تكتسب طابعًا من البوح والمناجاة للذات ثم ما تتسع حتى تأخذ خطابًا شبه مباشر للمخاطب.

ثالث وآخر ما أستطيع قوله هو أن العمل كان بحاجة إلى قدر أكبر من الرمزية والتي بدأت تتفلت نوعًا ما وتتخذ طابعًا أكثر انكشافًا مما أفقدها بعضًا من قوتها ..
والآن إلى العمل ..
المقطع الأول قد يبدو عاديًا ، لكنه يمهد لما بعده :

مسَاحةٌ من عناء
ماذا يملئها ؟..
سوى ان قلبي كُتلةٌ من الحزن !..

والعبارة الأخيرة سوى أن قلبي كتلة من الحزن أفادت حالة من اللامبالاة والتي تظهِر مفارقة جيدة مفادها أن الحزن أصبح شيئًا عاديًا ، وليس بالمستغرب .

المقطع الثاني :
ليل مُتناثـر ..
ماذا يجمعُه ؟
سوى انثـى بكفين بيضاوين !..

هنا يبدأ الحزن في الانكشاف والتبلور على صورة الليل وهما وثيقا الصلة ببعضهما البعض ، لكنه يتخذ طابعًا أقرب إلى جماليات الفنون التشكيلية حينما يكون الليل متناثرًا وهنا نصبح إزاء حالة من التضاد في التعامل مع اللفظ ، فالليل حينما يختصر إلى قطع متناثرة تكون الدلالة أكثر نضجًا في إشارة إلى انقلاب المفاهيم وما يستتبعه من انقلاب في الحالة ذاتها .ترى ما هذا الذي يكون أكبر من الليل ليحتويه ؟ هنا تبرز المفاجأة أنثى بكفين بيضاوين. يمكن الوقوف على هذا الجزء كمدخل للنص والقول بأن الأنثى هي التي تمسك بهذا الليل ، إما أنها قادرة على تحريكه وإضاءته وإما أن تكون هي التي تحافظ على الحزن الدائم فيه ، وهنا لا يكون لليل دلالته اللونية وإنما دلالته النفسية ،فالعمر كله ليل لذلك كله فهو حزين على الدوام .

المقطع الثالث
افتقدُ الفرح ..
لقد ضاع قديماً
دون ان يترُك اثراً للإقتفاءْ !..
أفتقد الفرح (همزة قطع )..


ما زال الصوت خافتًا وكأنه همس وصغَر عدد الكلمات يعطي هذه الدلالة الحزينة والتي لا تشعِر القارئ بالاختناق الذي يعانيه الكاتب أو من يتحدث الكاتب على لسانه .
وكانت الاستعارة ضاع قديمًا ... عبقرية ، فلو أنه ضاع دون تحديد الزمن لكان هنالك الأمل والاحتمال في وجوده أما وأنه ضاع قديمًا .. فلا أمل .لكنك لا تكتفي بذلك بل تمحو إمكانية وجود أثر الاقتفاء ، وأنسنة الفرح أي استعارة صفة إنسان له جعلت المعنى يتسم بعمق أشد فالإنسان يتخذ الإنسان طريقًا لتفسير أحزانه .
لكن يظل الخطاب مزدوجًا يمكن تأويله على أنه للأنثى أفتقد الفرح كأنه يقول لها أفتقدك أنت لكن الرومانسية البالغة به درجة الحزن تجعله لا يريد القول صراحة أفتقدك أنت وفي هذا مواءمة جميلة بين الأنثى والفرح على اعتبارها المحور الذي يمكن أن يكون مؤدًا للفرح أوالحزن.

المقطع الرابع :

كل الأشياء
قررت رحيلها ..
فكم يتَسعُ مطارٌ كهذا للراحلين ؟..

جميل للغاية هذا الترتيب من الحزن ثم إلى الأنثى ثم رحيل الأنثى ، وكأن خيوط الحدث بدأت تتفتح .
وكأن الأنثى هنا هي كل الأشياء ، والرؤيا كانت جيدة إذ يكون العمر في النهاية مطارًا لكنه -للأسف - صالة مغادرة ، ويبدو السؤال الاستنكاري لإبراز هذا العجز عن البوح بالشجن ، فلا يجد الكاتب أو من أردت التحدث على لسانه إلا السؤال إذ أن الإرهاق منعه عن التحدث عن فلسفة الرحيل ...

المقطع الخامس
دون انثـى
يبقى هذا الليل ..
اكبر دار للأيتام منـي ؟..

تعود الأنثى للوجود مرة أخرى وتتضح الصورة أكثر وكأنها حول فراق محبوبة ويعود الليل مرة أخرى للظهور إذ أن معاودة ظهوره مرة أخرى جاءت لنفي ما يتوهم من احتمال طلوع الصباح عند إغفال الحديث عن الليل .والبدء بكلمة (دون) جاء ليعزز معنى الفقد ،كان في الإمكان البدء بغيره لكن فكرة الفراق هي المسيطرة والاستفهام الاستنكاري الآتي المستبطن في الناحية الصوتية زاد الحالة حزنًا لاسيما وأن فلسفتك فيه أنه دار للأيتام بل أكبر من يتم الكاتب نفسه أو من تحدثت على لسانه .

المقطع السادس :
الأغاني احلاها همس انثـى
القصائد ..
امرُّها وجعـي !..

لا أعتقد أن المقطع جاء بإضافة كبيرة ،فالتعبير عن المرارة كان مسبوقًا بما يوحي به وهو الحزن صراحة ولا حزن بلا مرارة ، لكن يكون من الضروري النظر إلى لفظة الأنثى والقرائن الآتية معها في كل مقطع وكانت الأنثى هنا معادلاً موضوعيًا للنغم ، فالقصائد دون نغم تكون بكماء .لكن كون الوجع أمر الأشياء أمر طبيعي أو طبَعي لا جديد فيه.


المقطع السابع :
الذكريات ..
لاَ تُجدي الإنتظار ..
فقد رحلوا في الحقيقة !..

الطابع الفلسفي أكسبها عمقًا أكثر ، وهنا قمة الواقعية والمفارقة الحزينة والتي تؤكد على أن الحزن شيء صار عاديًا . إن الذكريات لن تعيد الماضي لهذا اكتفيت بالنقطتين .. ولم تكمل الحدث لأن القارئ غالبًا يستوعبه لكن التركيب ربما يكون فيه خلل نحوي أو أسلوبي لايجدي الانتظار .

المقطع الثامن :
سأتقمصُ بالأمل
كي عندما ينظروني ..
يقولون : رجل انيق


للمرة الأولى يظهر فعل مضارع يفيد الاستقبال ، وهو مسبوق بالسين والتي تفيد نية القيام بالعمل ، ووجودها لأول مرة جاء متوازيًا مع الأمل ، وتأتي التعبيرات القوية أتقمص الأمل كأن الأمل ثوب يلبس بل وهو يدرك أنه زي وهمي ، ثم جاءت العبارة القوية الساخرة رجل أنيق . إن الجمال في هذا المقطع مرده إلى نظرة الكاتب إلى الأمل ، فهو شيء ترفي بعكس الحزن الذي هو شيء عادي .
المقطع التاسع
قلبُكِ بحر
وانا مجرد بحار لا اجيد السباحة اكثر
فرويداً بي !..
حقيقة كان هذا المقطع مباشرًا للغاية ودلالته واضحة ، ولكن يظل عتاب الأنثى لشيء تعرفه يستنبطه القارئ ببساطة ، إنه الفراق والوجد الذي أصاب الكاتب أو من يتحدث على لسانه ، وكون قلبها بحرًا فهذا يعني الملوحة -الألم.

المقطع العاشر :
عيني خيال محلق
وصدرك مجرد زهرة
ستحط فوقه الأن


لم أجد التركيبة مفهومة والعناصر فيها غير واضحة كما ينبغي ، فكيف تحط الزهرة فوق الخيال؟ أم المقصود ستحط عيناي الآن على صدرك ؟ لو كان المقصود هو ذلك لكان التعبير المباشر أبسط ، لكن نلاحظ عبر المقاطع السابقة أن الإيقاع ظل بطيئًا كما هو ، وهو بذلك يتناسب مع حالة الحزن والإحباط التي تتلبس من يتحدث الكاتب على لسانه .
المقطع الحادي عشر
حزين انا
فهل تسمعين احلى موسيقى
يعزفها وتر القلب

تظل اللوعة عالقة بالقلب لكن المقطع لم يضف جديدًا أيضًا وكان مباشرًا بشكل ما ،لكن رغم ذلك تتبلور لدينا رؤيا مفادها هو أن الحزن هو أجمل الأشياء أو أحلى موسيقى ربما لأنه أكثر ما يذكّره بالحبيبة أو يدفعه إلى مناجاتها .
المقطع الثاني عشر
صباحك أنتِ
مشواري الأهم
فاستقبليني بضوء عينيك

جميل في النص أن الليل في طيلة حديثك عنه أخفيته من النجوم والقمر فبدت الصورة قاتمة حزينة ، ومع بدء ظهور سين الاستقبالية أتى الصبح وكان التوكيد بالضمير المتصل أنت في صالح النص ليؤكد حضورها الكثيف من خلال الاقتران المباشر بالصباح وبالعبارة نزوع فلسفي جميل يجعل المحبوبة هي الصباح بما يجعله في غنى عن أن يقول لها صباحك سكر أو صباحك جميل ، وكان الغزل غير مباشر .
وكانت الصورة في السطر الأخير موحية ذات طابع فانتازي وظّف بشكل جيد في صالح النص .

المقطع الثالث عشر
ابحث عنكِ
اين تختفين ؟..
فهل تمثلتي بهواء الكون ؟..
كان جيدًا هذا التعبير في التشخيص لكن قد يدفع للتساؤل لماذا هذا التساؤل بينما المقطع السابق كان حالة مبهجة ؟ ربما تكون حالة استرجاع لما كان يقولها لها من قبل ،وربما تكون استحثاثًا لها لتسارع إليه.
المقطع الرابع عشر وقبل الأخير :
(14)
ابحث عنك بلى موعد , واسير
دون التأكد من جهتي , واسلكُ القفار اخالها جناني الندية !..
ارحلتي رحلتك الأبدية ؟..
فتكلمي إن كنتِ تسكنين في هذا الأفق البعيد بجانب الشمس
صدقيني وقد شهدت العصافير كل الطرقات
توهتني - وغدوت مجنوناً بإمتياز!

للمرة الثانية يتكرر اللفظ أبحث عنك لكنه -في رأيي- كان في حالة من الانفعال والصراخ خاصة في الأسطر الثلاثة الأخيرة . تصاعد الإيقاع وتأتي أبحث عنك للمرة الثانية معبرة عن نفاد الصبر الذي لم يكن واضحًا في المقطع السابق عليه.
هذا يعد جيدًا لأن الحالة بدأت تظهر وتنجلي وتكتمل معالمها غير أن السطر الأخير لم يكن متناسبًا مع الحالة الصارخة والتي يظهر فيها المتحث وكأنه يتمثل القرب منها ويناديها بأعلى صوته . هذه الحالة لم تكن تستدعي سخرية ..مطلقًا .
وكان هذا التوتر في الحالة ممهدًا للنهاية بشكل محكم .
المقطع الخامس عشر والأخير :
ماذا اتذكر هنا غير مجلسك
الأشبه بمرسى ملكات سفن الأساطير ؟..
ونافذتك المطلة على الدور ,
تطلين منها كقمر المساء ,
واتذكر انك من هذه النافذة رحلتِ !..

كان السطر الأول جيدًا في اتكائه على عنصر الصورة لتحقيق حالة من التأثير على المتلقي وشحذ المخيلة بالعالم الفانتازي الأسطوري والذي اكتمل بهاؤه بكل من الملكات والسفن والأساطير .. هذا الموكب الذي كان يستمد منه شعوره بالقوة .
لا أفهم ما تعني الدور .. البيوت ؟لو كان كذلك -ففي رأيي الشخصي- لم يكن لها داع لأن الانتقال من هذه الحالة من الأبهة والبهجة إلى دور كأنها الأطلال كان مفاجئًا وغير متناسب مع الجو العام للحالة .

وتأتي النهاية والتي كان ممهدًا لها بشكل صحيح .. إنه الفراق النافذة التي يطل منها على أحزانه الحالية وأفراحه الماضية .
إن كل هذه المناجاة تجعل من النافذة كونًا يختزل فيه كل هذه المعاني لتكتمل الخلفية كما في الصورة وتصنع مادة دسمة تمتع القراء .
العنوان كان غير معبر عن الحالة بشكل كبير وكان مطاطًا جدًا .
التمتمات هي لفظة أفادت شدة الحركة واضطرابها وكأننا بإزاء حالة لجلجة ، وهذا لا يبدو في العمل . إنه عنوان متسع للغاية كوشوشات خربشات دندنات وهذا تبسيط مخلّ للمضمون ولا يعبر عن شيء مما بداخله .
الخاطرة كانت جيدة واتسمت بالتسلسل الجيد والارتفاع والتصاعد في إيقاع الحالة كما اتسمت بالوعي بالجوانب الصوتية وارتباطها بالكلمة وأخيرًا كانت لغة المجاز فيه فاعلة بشكل كبير مؤثر إيجابيًا تنوعت فيها الصور بين الفانتازيا والصورة التشكيلية . دمت مبدعًا موفقًا .. باركك الله .وعذرًا للإطالة.
__________________
هذا هو رأيي الشخصي المتواضع وسبحان من تفرد بالكمال

***
تهانينا للأحرار أحفاد المختار




المشرقي الإسلامي غير متصل   الرد مع إقتباس