عرض مشاركة مفردة
قديم 21-06-2007, 09:52 AM   #5
*سهيل*اليماني*
العضو المميز لعام 2007
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2006
المشاركات: 1,786
إفتراضي

ليس من منطلق قضية المرأة وحقوقها، أقول: إن كنتم ترغبون بمعرفة الشاعر، الفنان، الكاتب، المشهور.. اسألوا الزوجات، اسألوا الأمهات، لديهن الجواب اليقين. وهو إن لم يكن عادلاً، فالمغالاة من حقهن. ربما تغلب نزعة الإعجاب عند الأم، لأنه ابن بطنها، وتغلب نزعة التملك عند الزوجة لأنه نصيبها بكل الأعراف، ولكن يمكن تلمس الحقيقة من خلال شهاداتهن.

دُعينا لزيارة بيت شاعر مرشح لجائزة نوبل، أصابه حادث أقعده.

قبل أن نطرق باب البيت، حاولت تصور زوجة الشاعر العالمي. تخيلتها تترجم ما يرغب قوله، من إشاراته، تخيلتها ضاحكة على الدوام، كما ينبغي لزوجة الشاعر أن تكون.

كان الواقع أكثر بكثير مما تخيلت.

فتحت لنا الباب مرحبة. أخذت الورد وغابت وقتاً ليس قصيراً، ثم رجعت مصففة الزهور بعناية بالغة. باعتيادية وعفوية وضعتها في ركن يلائم نظر الشاعر.

كان يرفع يده، فتلتفت إلينا وتخبرنا ما رغب أن يقوله، يحرك رأسه، فتسرد لنا قصة من الماضي. ينبس حرفاً، ويستدير باتجاه ما، فتنجده وتكمل ما أراد إخبارنا به. ينظر في السقف، فتجيبه عن أمر، تعرفه هي وهو وبينهما وحدهما. رتبت منديل الطعام على عنقه، وقربت الملعقة من متناول يده، أعطته كرسيها، وجلست هي في كرسيه المتنقل. حرك إصبعاً من يده السليمة فقالت: لا لا يمكنك فعل هذا. ثم برمشة خفيفة من عينه، وافقت وذهبت لتحضر نوتة موسيقية، وساعدته كي كي يجلس إلى البيانو. ابتسمت حين بدأ العزف، ثم ناولته نوتة أخرى وهكذا..

لا أدري إن كانت تفهمه بإحساس الحب، أم هي المعاشرة الطويلة، أم أمور كثيرة مجتمعة.

بيتها أبيض، الستائر والسجاد وأغطية الطاولات والوسائد، وزعت زرعاتها ذات الزهور الصغيرة أيضاً لتحكي كل منها قصة الزاوية التي ركنتها عندها.

راقبتها، وراقبته وراقبت بيت الشاعر، ومؤلفاته الكثيرة، ثم سألتها بوقاحة:

ـ هل تحبين شعر زوجك؟.

ضحكت.

فاستدركت:

ـ هل تحبين الشعر؟.

ضحكت أيضاً.

فقلت:

ـ ماذا تقولين عن زوجة الشاعر؟.

تمنيت أن تتحدث عن شباب الشاعر الذي أكثر مثل كل الشعراء من نزواته، تاركاً زوجته وحيدة تعد له عالم البيت لكي يرجع ويرتاح، ظننت أنها ستخبرنا عن ليال بكت وحدها لأنه نسي أنها امرأة ليست أقل جمالاً من تلك النساء، وتوقعتُ أنها ستحكي عن عطشها للحب وأمنيتها لو كانت عابرة في حياته ونالت شرف إهدائها مقطعا من قصيدة، أو عن حلمها بأن يكون لعينيها تأثير عيني تلك التي صادفها في قطار وألهمته قصيدته الشهيرة، أو أنها أمه التي استعار من أجلها قداسة العالم كله، أو تلك الفتاة التي أغفت بجانبه في مقعد الطائرة وركنت رأسها على كتفه، أو، أو.. لكنها، راحت تتحدث عن تجربة مرض الرجل، وبإسهاب طويل فصلت حالة شلل ساقه ويده، ثم الجلطة التي شلت قدرته على الكلام. أخبرتنا كيف كانت مهمتها في البداية صعبة، وعانت كثيراً نتيجة نقص معلوماتها في تمريض هذه الحالات، ثم كيف صارت المهمة أقل صعوبة مع مر السنين الطويلة، لأنها صارت اعتيادية بحكم الممارسة اليومية واللحظية.

كان الشاعر وتاريخه هو حياتها، وربما باعتقادها حياة العالم كله.

تذكرت أمسية حضرتها لكاتب خصص حديثه عن كتابه الذي سرد فيه تجربة عبد القادر الجزائري النضالية، وأرانا صورة البطل على غلاف الكتاب. كان لرجل التاريخ الكبير، الذي تبين أنه كتب الشعر أيضاً، حاجبان مهذبان، وبشرة وجه مشدودة شابة. قفزت رفيقته أمام وجهي، فسألت الكاتب الذي بحث في حياة البطل طويلاً: من خلال بحثك في المصادر والمراجع، ترى ماذا قالت أم عبد القادر الجزائري عنه؟ وما هو رأي زوجته؟.

ضحك الكاتب وقال:

ـ لقد تطرقتُ في الكتاب لحوار جرى بينه وبين صحفية فرنسية كانت تناضل من أجل المرأة، قالت له: أنتم تتزوجون أكثر من امرأة، وكانت تقصده، لأنه تبين أن لديه أكثر من زوجة.

فأجابها، وهنا قال الكاتب، "أجابها الشاعر":

ـ لو كان لزوجتي الأولى حضورك الأخاذ، لما فعلتها إلا مرة واحدة.

وأذكر أمسية الشاعر الذي أحب شعره كثيراً وأقرؤه دوماً.

ما إن دخل من باب المركز الثقافي، حتى كادت دمعته تنفر من عينه. صدم بالصالة الغبية والحضور القليل، والذي أكثر بعد ذلك من النق، وكره مسؤول المركز لأنه يبتسم تحت صورة رئيس الجمهورية، والجدران الوسخة، وقهوة الآذن السيئة، والكنبات شديدة الضخامة، لم يكن في كل المحيط ما هو على ذوقه، ابتلع صدمته حتى لا يتهم بالتكبر، وتلفت يستنجد بملاك يخلصه، فرأى زوجته.

سألها بنزق شديد:

ـ في أي جيب من تلك الحقيبة، وضعنا قصيدة "رعشاتها"؟.

ربما في قلبه أراد من ملاكه أن يصلح له شؤون هذا الوسط، ويهيئ العالم للشعر، ويعتذر له بشدة لأن القبح كثير ويلامسه.

وقفت الزوجة مستلبة تماماً وخجلت، ثم بمهارة عالية ناولته طلبه، واستدارت ناحيتي، لأني شهدت نزقه عليها:

ـ بم أخطأتُ أنا؟.

راح الشاعر يقرأ الشعر، والحضور يصفق بشدة، فيما راحت جملة زوجته، "بم أخطأت أنا؟" ترن في أذني. التفت إليها، فوجدت وجهاً ضاحكاً كوجه الأطفال، وكفين تصفقان بحرارة كأن الفوز فوزها. حين ترك كرسيه، تركت كرسيها، واتجهت إليه بسرعة، ناولته منديله وأخذت أوراقه، رتبتها بعناية في الحقيبة، ومشت وراءه تحرس ظهره *





*منهل السراج ..
روائية سورية
__________________
*سهيل*اليماني* غير متصل   الرد مع إقتباس